مستحبات الوضوء

المطلب الثالث

في الكيفية

 

وهي تشتمل على المندوب والواجب، فبسط القول في هذا المطلب يقتضي جعله في فصلين:

الفصل الأول

في المندوب

 

وهو أمور:

(منها) – وضع الاناء الذي يتوضأ منه على اليمين، ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) ولم نقف له على مستند في اخبارنا. وبذلك ايضا صرح جمع من اصحابنا واستدل على ذلك ببعض الامور الاعتبارية، والروايات العامية (2) وفيه ما لا يخفى ولا سيما وقد ورد في بعض صحاح زرارة الواردة في حكاية الوضوء البيانى (3) قال: (فدعى بقعب فيه شئ من ماء ثم وضعه بين يديه…). هذا إذا كان الاناء واسع الرأس، اما إذا كان ضيق الرأس يحتاج إلى الصب (1) في الصحيفة 141 (2) في صحيح البخاري (باب التيمن في الوضوء) عن عائشة ” كان النبي (صلى الله عليه وآله) يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله “. (3) المروية في الوسائل في الباب – 15 – من ابواب الوضوء.


[ 148 ]

منه، فقد ذكر جمع من الاصحاب وضعه على اليسار ليصب منه في اليمين، ولا ريب في كونه ايسر إلا اني لم اقف فيه على نص.

و (منها) – غسل اليدين – قبل ادخالهما الاناء ان لم يكن غسلهما سابقا حال الاستنجاء أو غيره – مرة من حدث البول، ومرتين من الغائط، ومن النوم مرة، وظاهر المعتبر الاجماع على ذلك: ويدل على الاولين صحيحة الحلبي المتقدمة (1) وعلى الثالث موثقة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) إلى ان قال: فانه استيقظ من نومه ولم يبل، أيدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها ؟ قال: لا لانه لا يدري حيث باتت يده فيغسلها) ومثلها رواية اخرى له ايضا (3). ومما يدل على ان الامر بذلك للاستحباب صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: (سألته عن الرجل يبول ولم يمس يده شئ، أيغمسها في الماء ؟ قال: نعم وان كان جنبا) والرواية وان كانت مختصة بالبول الا انه لا قائل بالفرق. ويدل على ذلك ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة الواردة في الوضوء البياني (5) حين غمس كفه في الماء من غير غسل: (هذا إذا كانت الكف طاهرة)


(2) المروية في الوسائل في الباب – 27 – من ابواب الوضوء (3) اشار إليها صاحب الوسائل في الباب – 27 – من ابواب الوضوء بقوله بعد ذكر روايته المتقدمة: ” ورواه الكليني. الخ ” وهى عن الشيخ، والمراد به في اصطلاح أهل الحديث الكاظم (ع). (4) المروية في الوسائل في الباب – 7 – من ابواب الاسآر، وفى الباب – 28 – من ابواب الوضوء، وفى الباب – 45 – من ابواب الجنابة (5) المروية في الوسائل في الباب – 15 – من ابواب الوضوء


[ 149 ]

وهو عام، مضافا إلى اصالة عدم الوجوب (1). ونقل بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين ان من الاصحاب من استحب المرتين في البول، نظرا إلى ظاهر رواية حريز عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: (يغسل الرجل يده من النوم مرة، ومن الغائط والبول مرتين، ومن الجنابة ثلاثا). والظاهر رجحان ما هو المشهور، لصحة مستنده، ويؤيد برواية المشايخ الثلاثة له وتفرد الشيخ بهذه الرواية، مع احتمال التأويل فيها باستحباب المرتين من مجموع البول والغائط بناء على التداخل واندراج الاقل تحت الاكثر مع الاجتماع، كما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) لا من كل على الانفراد. الا ان الغائط استفيد استحباب المرتين فيه من الاجماع ومن رواية الحلبي (3) فبتقى رواية المرة في البول بلا معارض. وحد الاصحاب اليد المغسولة هنا من الزند. هذا. والظاهر من كلام الاصحاب استحباب غسل اليدين معا، وفهم ذلك من الاخبار لا يخلو من نوع خفاء، سيما وقد صرحت رواية عبد الرحمان بن كثير (4) الواردة في حكاية وضوء الامير (صلوات الله عليه) انه اكفأ بيده اليسرى على يده اليمنى، وهو ظاهر في ان المغسولة إنما هي اليمنى خاصة. وايضا فانها هي التي تحتاج إلى وضعها في الاناء للاغتراف. ثم ان الظاهر من كلام البعض تخصيص الاستحباب بما إذا كان الوضوء من الاناء


(1) اقول: كلام ابن بابويه في الفقيه يدل على ان من كان وضوؤه من حدث النوم ونسى فادخل يده في الماء قبل غسلها فعليه ان يصب ذلك الماء ولا يستعمله، وان ادخلها في الماء من حدث البول والغائط قبل ان يغسلها ناسيا فلا بأس. انتهى. وهو غريب (منه رحمه الله). (2) المروية في الوسائل في الباب – 27 – من ابواب الوضوء. (3) ص 65 (4) المروية في الوسائل في الباب – 16 – من ابواب الوضوء.


[ 150 ]

الواسع الرأس دون الضيق الرأس والكثير والجاري، بناء على التعليل بالنجاسة الوهمية في موثقة عبد الكريم المتقدمة (1) والظاهر – كما صرح به آخرون – التعميم، نظرا إلى اطلاق رواية حريز (2) وان الامر بذلك محض تعبد لا للنجاسة، مع انحصار مورد التوهم في حدث النوم خاصة. والظاهر – كما استظهره شيخنا البهائي (عطر الله مرقده) في كتاب الحبل المتين – عدم اختصاص الحكم المذكور بالرجل وان اختص مورد الاخبار به، إذ الظاهر عدم الخصوصية، بل المراد به مطلق الشخص فيدخل في الحكم النساء.

و (منها) – التسمية والدعاء عند وضع اليد في الماء، لما في صحيحة زرارة (3) قال: (إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم الله وبالله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين..). وعند الصب عليها، لما في رواية عبد الرحمان بن كثير المتقدمة (4) بما فيها من الدعاء. وروى الصدوق في الخصال (5) بسند معتبر عن ابي بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال امير المؤمنين (عليه السلام): لا يتوضأ الرجل حتى يسمى، يقول قبل ان يمس الماء: بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فإذا فرغ من طهوره قال: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله. فعندها يستحق المغفرة). وربما يظهر – من الفاظ الدعاء في الصحيحة المذكورة والرواية الثالثة – كون ذلك في وضع اليد في الماء للاستنجاء، لتضمنه طلب الجعل من التوابين والجعل من المتطهرين أو طلب التوبة والتطهير المومى إلى الآية النازلة في شأن المستنجى بالماء: (ان الله يحب


(1) ص 148 (2) ص 149 (3) المروية في الوسائل في الباب – 26 – من ابواب الوضوء، (4) ص 65 (5) ج 2 ص 166 وفى الوسائل في الباب – 26 – من ابواب الوضوء.


[ 151 ]

التوابين ويحب المتطهرين) (1) كما تقدم في الاخبار. واما رواية عبد الرحمان فانها صريحة في كون ذلك للاستنجاء كما تقدم ذكره (2) وحينئذ يبقى الوضع أو الصب لغير الاستنجاء خاليا من الدعاء. نعم يمكن ان يحمل ما رواه في الفقيه مرسلا (3): (ان امير المؤمنين (عليه السلام) كان إذا توضأ قال: بسم الله وبالله وخير الاسماء لله واكبر الاسماء لله وقاهر لمن في السموات وقاهر لمن في الارض، الحمد لله الذي جعل من الماء كل شئ حي واحيى قلبي بالايمان، اللهم تب علي وطهرني واقض لي بالحسنى وارني كل الذي احب، وافتح لي بالخيرات من عندك يا سميع الدعاء) على ان ذلك عند الصب أو الوضع في الوضوء بحمل قوله: (إذا توضأ) على ارادته والشروع فيه كما هو مجاز شائع.

و (منها) – التسمية على الوضوء، ففي صحيحة ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (إذا سميت في الوضوء طهر جسدك كله، وإذا لم تسم لم يطهر من جسدك إلا ما مر عليه الماء) ومثلها رواية ابي بصير (5). وفي صحيحة العيص بن القاسم عنه (عليه السلام) (6) (من ذكر اسم الله على وضوئه فكانما اغتسل) إلى غير ذلك من الاخبار. والظاهر من الاخبار صدق التسمية بالاتيان بها عند ارادة الاستنجاء كما تقدم في حديث عبد الرحمان (7) وهكذا فيما بعد ذلك من مستحبات الوضوء. وفي حسنة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (8) في حكاية الوضوء البياني قال:


(1) سورة البقرة. الآية 222. (2) و (7) في الصحيفة 65 (3) ج 1 ص 27. وفى الوسائل في الباب – 26 – من ابواب الوضوء، (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب – 26 – من ابواب الوضوء (8) المروية في الوسائل في الباب – 15 – من ابواب الوضوء


[ 152 ]

(ثم غرف ملاها ماء فوضعها على جبينه ثم قال: بسم الله وسدله… الحديث). وبالجملة فالظاهر امتداد وقتها من حين الوضع أو الصب للاستنجاء إلى الشروع في غسل الوجه. وقد صرح الاصحاب بانه لو تركها نسيانا جاز تداركها في اثناء الوضوء، ولو كان عمدا احتمل ذلك ايضا، ولو تركها إلى آخر الوضوء فالظاهر صحة الوضوء، وهو مجمع عليه فتوى والاشهر نصبا. وروى الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (ان رجلا توضأ وصلى. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) اعد صلاتك ووضوءك، ففعل فتوضأ وصلى، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): اعد وضوءك وصلاتك، ففعل فتوضأ وصلى، فقال له النبي صلى الله عليه واله) اعد وضوءك وصلاتك، فاتى امير المؤمنين (عليه السلام) وشكى ذلك إليه، فقال: هل سميت حين توضأت ؟ فقال: لا. قال: فسم على وضوئك فسمى وصلى، فاتى النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يأمره ان يعيد). والظاهر – كما صرح به بعض فضلاء متأخري المتأخرين – كون ذلك على جهة التأديب والارشاد، فان لصاحب الشريعة – كما تقدمت الاشارة إليه – السياسة بمثل ذلك واعظم منه لئلا يتهاون الناس بالسنن. ومن ظاهر الخبر المذكور استظهر بعض المتأخرين اعادة الوضوء والصلاة لمن ترك التسمية على وضوئه، بل ربما يستفاد منه استحباب اعادة العبادة مطلقا بترك بعض سننها، وفي الاخبار ما يعضده. وحمل الشيخ (قدس سره) التسمية في الخبر على النية، قال: لان الالفاظ


(1) ج 1 ص 102 وفى الوسائل في الباب – 26 – من ابواب الوضوء


[ 153 ]

ليست بفريضة حتى يعاد من تركها الوضوء، والالم يطهر مواضع الوضوء بتركها، لانه لا يكون قد تطهر تاركها. ورماه بالبعد جملة من تأخر عنه. وهو كذلك، فان اطلاق التسميد اللفظية على النية القلبية غير معروف، وعروض النسيان لاصل النية – التي هي عبارة عن مطلق القصد إلى الفعل الذي لا يخلو عنه عاقل في فعل من أفعاله كما سيأتي ايضاحه – بعيدا جدا نعم يحتمل – كما ذكره بعض محدثي متأخري المتأخرين – ان يراد بالنية اخطار ان هذا العمل لله بالبال لئلا يصدر عنه على الغفلة، ولا يبعد ان يصدق عليه التسمية، لتضمنه اسم الله سبحانه. لكن فيه انه وان امكن احتماله في اول مرة لكن الظاهر في الدفعه الثانية بعد امر الرسول (صلى الله عليه وآله) بالاعادة عدم امكانه، فانه لم يقصد فيها سوى امتثال امره (صلى الله عليه وآله) حيث ان امره أمر الله تعالى وطاعته طاعته. واحتمل شيخنا صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل تأويل كلام الشيخ ان مراده – بقوله: (ان التسمية المنسية هي النية الواجبة.. الخ) – ان التسمية لها فردان: (احدهما) – مجرد اللفظ الذي لا يكون وسيلة إلى تحصيل القصد إلى الامتثال المسمى بالنية، ولا ارتباط له بها، كما هو الحاصل لمن له ادنى مسكة بعروة العقل. و (ثانيها) – اللفظ الذي يكون وسيلة إلى تحصيله بحيث لا يمكنه احكام النية الا به، كما نجده عيانا في بعض من ابتلى بالوسوسة في النية، ولعل صدر الاسلام لما كان قريب العهد بالجاهلية، بعيد الطبع عن قبول الاحكام الشرعية وتعقل الامور الذهنية، خصوصا الاعراب منهم، حلى لهم اللابس بحلية الملبوس، وجلى لهم مرآة المعقول بصورة المحسوس فامروا بالتسمية اللفظية الدالة على قصد كون الفعل المشروع فيه باسمه، ليحصل لهم الانتقال منها إلى المعنى التي هي النية القلبية، لوجوب فهم المعنى من اللفظ لمن علم بالوضع انتهى. وهو معنى لطيف الا ان ملاحظة الشيخ له في غاية البعد.


[ 154 ]

و (منها) – الاغتراف باليمين لجميع الاعضاء المغسولة. وهو بالنسبة إلى ما عدا غسلها نفسها متجه ومتفقة عليه الاخبار. أما بالنسبة إليها نفسها فهل يغترف لها باليسرى ويغسلها بها، أو يغترف بها ثم يديره في اليسرى ويغسل ؟ المشهور الثاني وعليه تدل صحيحة محمد بن مسلم أو ضعيفته، بناء على تضمن سندها رواية العبيدي عن يونس عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) في حكاية الوضوء البياني، حيث قال فيها: (… ثم أخذ كفا آخر بيمينه فصبه على يساره ثم غسل به ذراعه الايمن…). ومثلها موثقة الاخوين بعثمان بن عيسى (2) على رواية التهذيب. حيث قال فيها (… ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى…) واما الكافي ففيه (اليسرى) بدل (اليمنى) اخيرا. وعلى الاول تدل صحاح الاخبار كصحيحة زرارة (3) حيث قال فيها: (… ثم اعاد يده اليسرى في الاناء فاسدلها على يده اليمنى ثم مسح جوانبها…) ومثلها صحيحته الاخرى (4) وحسنة بكير (5) وصحيحتاهما (6) ومنه يظهر قوة القول الاول. وقضية الجمع جواز الامرين دون افضلية الاغتراف باليمين لغسلها، وبذلك يظهر لك ما في كلام ثاني الشهيدين في الروض، حيث قال – بعد ان صرح باستحباب الاغتراف باليمين مطلقا -: (وفي حديث عن الباقر (عليه السلام) انه أخذ باليسرى فعسل اليمنى. وهو لبيان الجواز) انتهى.

و (منها) – السواك، والظاهر انه لا خلاف بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) في استحبابه مطلقا وخصوصا للوضوء والصلاة، لاستفاضة الاخبار بذلك.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب – 15 – من ابواب الوضوء.


[ 155 ]

ومما يدل على الاول موثقة اسحاق بن عمار (1) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): من اخلاق الانبياء السواك). وروايته ايضا عنه (عليه السلام) (2) قال: (السواك من سنن المرسلين). وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: (قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما زال جبرئيل (عليه السلام) يوصيني بالسواك حتى خفت ان احفى أو أدرد) واحفى بالحاء المهملة وادرد بدالين مهملتين عبارة عن اذهاب الاسنان. إلى غير ذلك من الاخبار. ومما يدل على الثاني قوله (صلى الله عليه وآله) في صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (4): (وعليك بالسواك عند كل وضوء). وقول الصادق (عليه السلام) في رواية المعلى بن خنيس (5) حين سأله عن الاستياك بعد الوضوء قال: (الاستياك قبل ان يتوضأ. قال: قلت: أرايت ان نسي حتى يتوضأ ؟ قال: يستاك ثم يتمضمض ثلاث مرات). وفى رواية السكوني (6) (التسوك بالابهام والمسبحة عند الوضوء سواك). وفى رواية محمد بن مروان عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي صلوات الله عليه (عليك بالسواك لكل صلاة). وعنه (صلى الله عليه وآله) في رواية القداح (8) (لولا ان اشق على امتي لامرتهم بالسواك مع كل صلاة) اي امرا ايجابيا وإلا فقد امر (صلى الله عليه وآله) لكن استحبابا. إلى غير ذلك من الاخبار.


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب – 1 – من ابواب السواك (4) المروية في الوسائل في الباب – 3 – من ابواب السواك (5) المروية في الوسائل في الباب – 4 – من ابواب السواك. (6) المروية في الوسائل في الباب – 9 – من ابواب السواك (7) و (8) المروية في الوسائل في الباب – 5 – من ابواب السواك.


[ 156 ]

وذهب البعض – من حيث ورود الامر به مطلقا – إلى انه ليس من مستحبات الوضوء، ولامر الحائض والنفساء به. وفيه ان استحبابه مطلقا ولو لمثل الحائض والنفساء لا ينافي استحبابه للوضوء والصلاة زيادة على ذلك، فيكون فيهما مؤكدا، فان الاخبار الدالة على الامر به في خصوص الموضعين – سيما حديث خوف المشقة على الامة، وقوله (عليه السلام) فيما رواه في الفقيه (1) مرسلا: (السواك شطر الوضوء) – مما يدل على ما قلناه باوضح دلالة.

و (منها) – المضمضة والاستنشاق على المشهور فتوى والاظهر نصا، ونقل في المختلف عن ابن ابي عقيل انه قال: (انهما ليسا عند آل الرسول (عليهم السلام) بفرض ولا سنة). والاخبار في ذلك مختلفة لى وجه يعسر جمعها. ففي رواية عبد الرحمان بن كثير المروية بطرق المشايخ الثلاثة (2) (نور الله تعالى مضاجعهم) مسنده في الكافي والتهذيب ومرسلة في الفقيه في حكاية وضوء الامير (صلوات الله عليه): (… ثم تمضمض فقال وذكر الدعاء، ثم استنشق فقال… الحديث). وفى رواية عبد الله بن سنان (3) قال: (المضمضة والاستنشاق مما سن رسول الله (صلى الله عليه وآله)). وفي موثقة ابي بصير (4) حيث سأله عنهما فقال: (هما من الوضوء، فان نسيتهما فلا تعد).


(1) ج 1 ص 32، وفى الوسائل في الباب – 3 – من ابواب السواك (2) رواها صاحب الوسائل في الباب – 16 – من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب – 29 – من ابواب الوضوء، والباب – 24 – من ابواب الجنابة (4) المروية في الوسائل في الباب – 29 – من ابواب الوضوء


[ 157 ]

وفي حديث عهد الامير (صلوات الله عليه) الذي كتبه إلى محمد بن ابي بكر لما ولاه مصر على ما رواه الشيخ أبو علي في مجالسه (1) (.. وانظر إلى الوضوء فانه من تمام الصلاة، تمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثا… الحديث، إلى ان قال: فاني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنع ذلك، واعلم ان الوضوء نصف الايمان). ورواية عمر بن خالد عن زيد بن علي عن ابيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: (جلست اتوضأ، فاقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لي: تمضمض واستنشق واستن… الحديث). وفي رواية حكم بن حكيم (3) بعد السؤال عن المضمضة والاستنشاق من الوضوء هما، قال: (لا). وفي حسنة زرارة (4) قال: (المضمضة والاستنشاق ليسا من الوضوء). ورواية ابى بصير (5) حيث سأله عنهما قال: (ليس هما من الوضوء، هما من الجوف) ورواية الحضرمي (6) قال: (ليس عليك مضمضة ولا استنشاق، لانهما من الجوف). وموثقة سماعة (7) حيث سأل عنهما فقال: (هما من السنة، فان نسيتهما لم يكن عليك اعادة). ورواية زرارة (8) قال: (ليس المضمضة والاستنشاق فريضة ولا سنة، انما عليك ان تغسل ما ظهر).


(1) ص 19 وفى الوسائل في الباب – 15 – من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب – 25 – من ابواب الوضوء. (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) المروية في الوسائل في الباب – 29 – من ابواب الوضوء.


[ 158 ]

ورواية علي بن جعفر في كتاب قرب الاسناد (1) حيث سأل اخاه (عليه السلام) عن المضمضة والاستنشاق قال: (ليس بواجب وان تركهما لم يعد لهما صلاة). وفي كتاب الخصال (2) في حديث الاربعمائة قال: (والمضمضة والاستنشاق سنة، وطهور للفم والانف). هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك، وهي – كما ترى – على غاية من التدافع والتنافي، والجمع بينها ممكن باحد وجهين:

(الاول) – حمل ما دل على نفي كونهما من الوضوء على معنى انهما ليسا من واجباته وان كانا من سننه، وبهذا جمع الشيخ (عطر الله مرقده) بين الاخبار، وعليه اكثر اصحابنا (رضوان الله عليهم) ويؤيده نفي الوجوب في رواية قرب الاسناد وظاهر لفظ (ليس عليك) المشعر بنفي الوجوب في رواية الحضرمي. ويدل على كونهما من سننه رواية عبد الرحمان بن كثير وحديث العهد ورواية عمرو بن خالد، وحينئذ فيحمل ما دل على كونهما سنة بقول مطلق على انهما من سنن الوضوء ومستحباته. ولا ينافي ذلك نفي كونهما فريضة أو سنة في رواية زرارة، إذ الظاهر ان المراد بالفريضة فيها ما كان وجوبه بالكتاب، والسنة ما كان وجوبه بالسنة النبوية، فهي نفي للوجوب بطريقيه، ويؤيده قوله بعد ذلك: (انما عليك… الخ) الدال بمفهومه على انه ليس عليه مضمضة ولا استنشاق المشعر – كما عرفت – بنفي الوجوب. ولعل المبالغة في نفي وجوبهما على وجه يوهم الناظر نفيهما مطلقا هو الرد على العامة، من حيث مواظبتهم عليهما بل قول جملة منهم بوجوبهما، كما نقله في المنتهى عن احمد واسحاق وابن ابي ليلى، بعض منهم خص الوجوب بالاستنشاق، وبعض خص


(1) في الصحيفة 83 وفى الوسائل في الباب – 29 – من ابواب الوضوء، (2) ج 2 ص 157 وفى الوسائل في الباب – 29 – من ابواب الوضوء


[ 159 ]

وجوبهما بالطهارة الكبرى (1).

(الثاني) – حمل النفي في تلك الاخبار على نفي كونهما من الوضوء مطلقا، يعني لا من واجباته ولا من مستحباته، وحمل ما عدا ذلك مما دل على كونهما سنة على ثبوت استحبابهما في حد ذاتهما لا لاجل الوضوء. والى هذا جنح شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل وبالغ في نصرته، فقال بعد ذكر كلام في المقام: (والتحقيق ان نقول يجب الجزم بانهما ليسا من سنن الوضوء المنسوبة إليه المرتبطة به، بحيث علم من الرسول (صلى الله عليه وآله) واهل بيته (صلوات الله عليهم) قولا أو فعلا أو تقريرا للواظبة عليهما غالبا عند ارادة الوضوء، وتوظيفهما في ذلك الوقت من حيث الخصوص كما هو شأن السنة، ثم استند إلى خلو الاخبار البيانية عنهما، ثم طعن في رواية عبد الرحمان بن كثير بضعف السند، وفي موثقتي سماعة وابي بصير الدالة اولاهما على انهما من السنة، بانه اعم من المدعى،


(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 21 ” عند احمد بن حنبل هما فرضان في الوضوء والغسل جميعا ” وكذا في تفسير ابن كثير ج 2 ص 23. وفى الميزان للشعراني ج 1 ص 106 ” اتفق الائمة الثلاثة على استحباب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وفى اشهر الروايتين عن احمد وجوبهما في الحدث الاكبر والاصغر ” وفى المحلى ج 2 ص 48 ما ملخصه ” المضمضة ليست فرضا فتركها عمدا أو نسيانا لا يخل بالوضوء والصلاة. واما الاستنشاق بنفسه ثم النثر باصابعه فلا بد منه لا يجزئ الوضوء ولا الصلاة دونهما لا عمدا ولا نسيانا. وفي ص 50 قال مالك والشافعي: ليس الاستنشاق والاستنثار فرضا لا في الوضوء ولا في الغسل من الجنابة. وقال أبو حنيفة: هما فرض في غسل الجنابة لا الوضوء. وقال احمد وداود: هما فرضان في الوضوء لا في غسل الجنابة، وليست المضمضة فرضا لا في الوضوء ولا في غسل الجنابة ” وفى تفسير ابن كثير ج 2 ص 23 نسب إلى ابى حنيفة وجوب للمضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء، وذكر ايضا انه روى عنه وجوب الاستنشاق دون المضمضة. وفى شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد السارى ج 2 ص 314 نسب إلى ابن ابى ليلى واسحاق بن راهويه الموافقة لاحمد بن حنبل في الوجوب فيهما.


[ 160 ]

واخرهما على انهما من الوضوء، بالمعارضة بصحيحة زرارة (1) (انهما ليسا من الوضوء) مع قبولها للتأويل بكونهما من الوضوء اللغوي، لانهما طهور للفم والانف، ثم طعن في رواية عمرو بن خالد بضعف السند لاشتماله على رجال من العامة، وانها تنادي بالتقية لاشتمالها على الامر بغسل الرجلين وتخليل اصابعهما، ثم قال: فكيف يتجرأ على الفتيا بكون شئ سنة موظفة في شئ مع عدم ورود ما يصلح لا ثبات ذلك، إلى ان قال: واما كونهما سنة في الجملة فالظاهر ذلك، لما ذكرنا من موثقة سماعة (2) ثم ذكر جملة من الاخبار الدالة بظاهرها على الاستحباب مطلقا. اقول: وفيه (اولا) – ان خلو اخبار الوضوء البياني عن ذلك لا يدل على نفي الاستحباب في الوضوء، لاحتمال تخصيص البيان بما هو الواجب كما صرح به البعض ولخلوها كملا عن الادعية الموظفة في الوضوء وعن السواك، مع ثبوت استحبابهما اجماعا نصا وفتوى، وخلو كثير منها عن التسمية. و (ثانيا) – ان رواية عبد الرحمان وان ضعف سندها بناء على هذا الاصطلاح المحدث الذي لم يقم على اعتباره دليل، مع ما في جملة من احكامه من القال والقيل، كما شرحنا بعض ذلك في المقدمة الثانية (3) إلا انها صحيحة بالدستور القديم والنهج والقويم الذي عليه كافة علمائنا المتقدمين من المحدثين والمجتهدين، سيما الثلاثة المحمدين الذين هم اساطين الدين ونخبة المعتمدين، وقد رووها كملا في مسانيدهم، مع تصريحهم في اوائل كتبهم بان جميع ما يروونه صحيح مقطوع على صحته، وقد اعتمد اصحاب هذا الاصطلاح على كثير من مراسيل الفقيه بناء على ما صرح به في اول كتابه، كما لا يخفى على من نظر في الكتب الاستدلالية، على انهم قد قرروا في جملة اصطلاحاتهم جبر الضعف بالشهرة، وشهرة الرواية المذكورة – بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) سلفا وخلفا


(1) المتقدمة في الصحيفة 157 وقد وصفها هناك بانها حسنة (2) المتقدمة في الصحيفة 157 (3) في الصحيفة 14 من الجزء الاول


[ 161 ]

والعمل بما اشتملت عليه – مما لا يتجشم انكاره، وقد رواها البرقي في المحاسن (1) ايضا وهو مؤيد لما قلنا. و (ثالثا) – ان ما ذكره – من انه لم يعلم من الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا من أهل بيته (عليهم السلام) توظيفهما في الوضوء – معارض بانه لم يعلم منهم ايضا الاتيان بهما في غير حال الوضوء، فان التجأ إلى اطلاق الاخبار بانهما من السنة، قلنا: العام لا دلالة له على الخاص. وان قيل: الفرض نفي استحبابهما في الوضوء، قلنا: الاستحباب قد ثبت بجملة من الاخبار المذكورة آنفا كرواية عبد الرحمان المذكورة (2) ورواية العهد (3) ورواية عمرو بن خالد (4) واشتمال آخر الاخيرة على ما يشعر بالتقية لا يقتضي بطلان الاستدلال بها على ما عدا موضع التقية، إذ سبيلها فيما لا معارض له سبيل العام المخصوص في غير موضع التخصيص، سيما مع الاعتضاد بما ذكرنا من الاخبار، وهي موثقة ابي بصير وظاهر موثقة سماعة، فان قوله فيها: (هما من السنة) وان كان اعم من كونه في الوضوء أم لا إلا ان قوله: (فان نسيتهما… الخ) يعين ما قلناه، إذ لا ارتباط بين استحبابهما مطلقا وبين توهم الاعادة لهما. وحينئذ فما عدا ما ذكرنا من الاخبار مما كان مطلقا فسبيله الحمل على المقيد رعاية للقاعدة المقررة، وما كان متضمنا للنفي فوجهه الجمل على نفي الوجوب كما قدمنا. وعلى ذلك تنتظم الاخبار ويزول عنها غبار الغيار. وما نقله في المختلف عن ابن ابي عقيل هو بعينه مضمون رواية زرارة المتقدمة (5) لان من شأنه (قدس سره) في كتابه – بل جملة المتقدمين – التعبير بمتون الاخبار، وحينئذ فيحمل كلامه على ما تحمل عليه الرواية، وبذلك يتبدل الاختلاف بالائتلاف كما لا يخفى على من نظر بعين الانصاف.


(1) في الصحيفة 45 (2) والآتية في الصحيفة 167 (3) و (4) و (5) في الصحيفة 157


[ 162 ]

فائدة قد صرح جمع من المتأخرين باستحباب المضمضة والاستنشاق بثلاثة اكف، وانه مع اعواز الماء يكفي الكف الواحد، وانه يشترط تقديم المضمضة اولا، وجوز العلامة في النهاية ان يتمضمض مرة ويستنشق مرة وهكذا ثلاثا، سواء كان الجميع بغرفة أو غرفتين أو ازيد. واعترضهم جمع من متأخريهم بعدم وجود المستند في شئ من هذه التفاصيل سوى رواية عبد الرحمان بن كثير (1) فانها دلت على تقديم المضمضة وعطف الاستنشاق عله ب‍ (ثم). اقول: وقد دلت رواية العهد المتقدمة على التثليث ايضا، لكن اعم من ان يكون بثلاثة اكف في كل منهما أو أقل وان كان الظاهر الاول، فيحصل من كلتا الروايتين استحباب تقديم المضمضة على الاستنشاق وتثليثهما.

و (منها) – الدعاء حالة المضمضة والاستنشاق بما ورد عن الامير (صلوات الله عليه) في رواية عبد الرحمان بن كثير (2) حيث قال: (… ثم تمضمض فقال: اللهم لقني حجتي يوم القاك، واطلق لساني بذكراك، ثم استنشق فقال: اللهم لا تحرم علي ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها…).

و (منها) – كون الوضوء بمد اجماعا نصا وفتوى، ومن الاخبار في ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ بمد من ماء ويغتسل بصاع) ومثله في صحيحة زرارة (4) وزاد فيها (والمد رطل ونصف، والصاع ستة ارطال).


(1) و (2) الآتية في الصحيفة 167 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب – 50 – من ابواب الوضوء


[ 163 ]

ورواية ابي بصير (1) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء. فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ بمد ويغتسل بصاع). وما رواه في الفقيه (2) مرسلا قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والوضوء مد والغسل صاع، وسيأتي اقوام من بعدي يستقلون ذلك، فاولئك على خلاف سنتي، والثابت على سنتي معي في حظيرة القدس) إلى غير ذلك من الاخبار. ومما يدل على ان ذلك على جهة الاستحباب دون الوجوب اجماع الفرقة الناجية على ذلك اولا، واستفاضة الاخبار باجزاء مثل الذهن ثانيا، كما سيأتي في موضعه ان شاء الله تعالى. وهل ماء الاستنجاء داخل في المذكور ؟ ظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى ذلك حيث قال: (المد لا يكاد يبلغه الوضوء، فيمكن ان يدخل فيه ماء الاستنجاء، كما تضمنته رواية ابن كثير عن امير المؤمنين (عليه السلام) (3)). واستحسنه في المدارك، قال: (وربما كان في صحيحة ابي عبيدة الحذاء (4) اشعار بذلك ايضا، فانه قال: ((وضأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع وقد بال، فناولته ماء فاستنجى، ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه… الحديث) ويؤيده دخول ماء الاستنجاء في صاع الغسل على ما سيجئ بيانه) انتهى. واعترض في كتاب الحبل المتين على كلام الذكرى، فقال: (وظني ان كلامه هنا إنما يتمشى على القول بعدم استحباب الغسلة الثانية، وعدم كون المضمضة والاستنشاق من افعال الوضوء الكامل، واما على القول بذلك – كما هو مختاره (قدس سره) -


(1) المروية في الوسائل في الباب – 50 – من ابواب الوضوء. (2) ج 1 ص 23، وفى الوسائل في الباب – 50 – من ابواب الوضوء (3) الآتية في الصحيفة 167 (4) المروية في الوسائل في الباب – 15 – من ابواب الوضوء


[ 164 ]

فلا، فان اعلى ما اعتبرناه لا يزيد على ربع المن التبريزي المتعارف في زماننا هذا بشئ يعتد به، وهذا المقدار إنما يفي باصل الوضوء المسبغ ولا يفضل منه شئ للاستنجاء فان ماء غسل اليدين كف أو كفان، وماء كل من المضمضة والاستنشاق والغسلات الواجبة والمندوبة ثلاث اكف، فهذه ثلاث عشرة أو اربع عشرة كفا، وهذا ان اكتفى في غسل كل عضو بكف واحدة، وإلا زادت على ذلك، فاين ما يفضل للاستنجاء ؟ وايضا ففي كلامه (طاب ثراه) بحث آخر، وهو انه ان اراد بماء الاستنجاء الذي حسبه من ماء الوضوء ماء الاستنجاء من البول وحده، فهو شئ قليل حتى قدر بمثلى ما على الحشفة، وهو لا يؤثر في الزيادة والنقصان اثرا محسوسا، وان اراد ماء الاستنجاء من الغائط أو منهما معا لم يتم استدلاله بالروايتين المذكورتين، إذ ليس في شئ منهما دلالة على ذلك، بل في رواية الحذاء (1) ما يشعر بان الاستنجاء كان من البول وحده، فلا تغفل) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. واما تحقيق قدر المد فسيأتي ان شاء الله تعالى منقحا في باب غسل الجنابة.

و (منها) – ان يبدأ الرجل في غسل ذراعيه في الوضوء بظاهرهما والمرأة بباطنهما، لما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: (فرض الله على النساء في الوضوء ان يبدأن بباطن اذرعهن وفى الرجال بظاهر الذراع). ومثله روى الصدوق في الخصال (3) بسنده عن جابر الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: (المرأة تبدأ في الوضوء بباطن الذراع والرجل بظاهره. الحديث) المشهور بين متأخري الاصحاب التفصيل في ذلك بين الغسلة الاولى والثانية،


(1) المتقدمة في الصحيفة 163 (2) رواها صاحب الوسائل في الباب – 40 – من ابواب الوضوء (3) ج 2 ص 142


[ 165 ]

بان يبدأ الرجل في الغسلة الاولى بظاهر ذراعيه وفي الثانية بباطنهما والمرأة بالعكس. ولم اقف له على مستند.

و (منها) – فتح العينين عند الوضوء، رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه (1) مرسلا وفى كتابي العلل وثواب الاعمال مسندا عن ابن عباس قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم). وروى الراوندي في نوادره باسناده عن الكاظم عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اشربوا عيونكم للماء، لعلها لا ترى نارا حامية) وفي كتاب دعائم الاسلام مثله. وعده الشهيد في الدروس من مستحبات الوضوء ناقلا له عن الصدوق، ونقل عن الشيخ في الخلاف دعوى الاجماع منا على عدم وجوبه واستحبابه. والظاهر – كما استظهره جملة من مشايخنا (قدس الله تعالى ارواحهم) – ان المراد باستحباب ذلك مجرد فتحهما استظهارا لغسل نواحيهما. دون غسلهما، لما فيه من المشقة والمضرة، حتى انه روى ان ابن عمر كان يفعله فعمى لذلك. واحتمل بعض مشايخنا حمل الخبرين على التقية لما في سند الاول من جملة من رجل العامة، حيث ان الصدوق في الكتابين المتقدمين رواه بسنده إلى السكوني عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس، والثاني ضعيف السند ايضا قال: (والقول بالاستحباب


(1) ج 1 ص 31 وفى العلل ص 103 وفى ثواب الاعمال ص 10 وفى الوسائل في الباب – 53 – من ابواب الوضوء. (2) رواه صاحب البحار عن النوادر للراوندي وعن دعائم الاسلام ج 18 ص 80 من كتاب الطهارة، ورواه صاحب المستدرك عن دعائم الاسلام في الباب – 45 – من ابواب الوضوء


[ 166 ]

منسوب للشافعي (1)) ولا يخلو من قرب.

و (منها) – صفق الوجه بالماء، نقله جماعة من متأخري اصحابنا (رضوان الله عليهم) عن علي بن بابويه في رسالته. وروى ابنه في الفقيه (2) مرسلا وفي كتاب العلل مسندا في الموثق عن عبد الله ابن المغيرة عن رجل، ومثله في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) قال: (إذا توضأ الرجل فليصفق وجهه بالماء، فانه ان كان ناعسا فزع واستيقظ، وان كان البرد فزع فلم يجد البرد) وهو يشعر بموافقته لابيه (طاب ثراهما). لكن روى الكليني (3) والشيخ عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضأتم، ولكن شنوا الماء شنا). وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد (4) بسند صحيح عن ابي جرير الرقاشي


(1) في تذكرة العلامة (قده) انه احد قولى الشافعي، وفى خلاف الشيخ الطوسى (قده) ص 6 قال اصحاب الشافعي انه مستحب، وفى المهذب لابي اسحاق الشيرازي الشافعي ج 1 ص 15 ” ولا يغسل العينين. ومن اصحابنا من قال يستحب غسلهما لان ابن عمر كان يغسل عينه حتى عمى، والاول اصح لانه لم ينقل ذلك عن رسول الله ” ص ” قولا ولا فعلا فدل على انه ليس بمسنون ” وفى الام للشافعي ج 1 ص 21 ” وانما اكدت المضمضة والاستنشاق دون غسل العينين للسنة، وان الفم يتغير وكذلك الانف وان الماء يقطع من تغيرهما وليست كذلك العينان “. (2) ج 1 ص 31 وفى العلل ص 103 وفى التهذيب ج 1 ص 102 وفى الوسائل في الباب – 30 – من ابواب الوضوء (3) رواه الكليني ج 1 ص 9 والشيخ ج 1 ص 12 وفى الوسائل في الباب – 30 – من ابواب الوضوء. (4) في الصحيفة 129 وفى الوسائل في الباب – 15 و 30 – من ابواب الوضوء،


[ 167 ]

قال: (قلت لابي الحسن (عليه السلام): كيف أتوضأ للصلاة ؟ قال: فقال: لا تعمق في الوضوء، ولا تلطم وجهك بالماء لطما، ولكن اغسله من اعلى وجهك إلى اسفله.. الحديث). ويمكن الجمع بينهما بحمل الاول على الناعس والبردان كما هو مورد الخبر، والاخيرين على ما عداهما، أو الاول على الجواز والاخيرين على الكراهة. واحتمل بعض الاصحاب انه يجوز ان لا يكون الصفق في الخبر الاول مرادا به غسل الوجه الذي هو جزء من الوضوء، بل يكون فعلا آخر سابقا على الوضوء للغرض المذكور في الرواية. وليس بذلك البعيد.

و (منها) – الدعاء على كل من افعال الوضوء، وقد جمعته رواية عبد الرحمان ابن كثير المشار إليها آنفا عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: (بينا امير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم جالس مع محمد بن الحنفية إذ قال: يا محمد ائتني باناء من ماء اتوضأ للصلاة، فاتاه محمد بالماء، فاكفأ بيده اليمنى على يده اليسرى، ثم قال: بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا، قال: ثم استنجى فقال: اللهم حصن فرجى واعفه واستر عورتي وحرمني على النار، قال: ثم تمضمض فقال: اللهم لقني حجتي يوم القاك واطلق لساني بذكراك، ثم استنشق فقال: اللهم لا تحرم علي ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها، قال: ثم غسل وجهه فقال: اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه، ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه، ثم غسل يده اليمنى فقال: اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حسابا يسيرا، ثم غسل يده اليسرى فقال: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، واعوذ بك من مقطعات النيران، ثم مسح رأسه فقال: اللهم غشني برحمتك وبركاتك، ثم مسح رجليه فقال: اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الاقدام، واجعل سعيي فيما


(1) المروية في الوسائل في الباب – 16 – من ابواب الوضوء


[ 168 ]

يرضيك عني، ثم رفع رأسه فنظر إلى محمد فقال: يا محمد من توضأ مثل وضوئي وقال مثل قولي خلق الله له من كل قطرة ملكا يقدسه ويسبحه ويكبره فيكتب الله له ثواب ذلك إلى يوم القيامة).

اقول: لا يخفى ان كتب الاخبار قد اختلفت في جملة من مواضع هذا الخبر (منها) – في تقديم المضمضة على الاستنشاق، فان الموجود في الفقيه (1) والتهذيب (2) كما هنا، والموجود في الكافي (3) – وهو الذي اعتمده صاحب الوافي – تقديم الاستنشاق. و (منها) – قوله: (فاكفأ بيده اليمنى على يده اليسرى) فان الموجود في الفقيه والكافي كما هنا، وفى التهذيب الموجود بايدينا (فاكفأ بيده اليسرى على يده اليمنى) وهو الذي نقله بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين عن التهذيب ايضا، الا ان شيخنا البهائي (عطر الله تعالى مرقده) في كتاب الاربعين نقل الحديث كما هنا، وذكر انه نقله من التهذيب من نسخة معتمدة بخط والده (طاب ثراه) وهي التي قرأها عليه، ووالده قرأها على شيخنا الشهيد الثاني (قدس الله تعالى ارواحهم جميعا) و (منها) – قوله في دعاء الاستنجاء: (وحرمني على النار) ففي الفقيه والتهذيب كما هنا، وفي الكافي (وحرمهما) بضمير التثنية، وعلى ذلك يحتمل عوده إلى الفرج والعورة، نظرا إلى اختلاف اللفظين. وان قرئ (عورتى) بالتشديد على صيغة التثنية فلا اشكال. و (منها) – في دعاء المضمضة، ففي الفقيه والتهذيب كما ذكرنا، وفي الكافي (اللهم انطق لساني بذكرك، واجعلني ممن ترضى عنه). (ومنها) في دعاء الاستنشاق، ففي الفقيه والتهذيب كما هنا، وفي الكافي (اللهم لا تحرم علي ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وطيبها وريحانها) وفى بعض كتب


(1) ج 1 ص 26 (2) ج 1 ص 15 (3) ج 1 ص 21.


[ 169 ]

الاخبار – كما نقله في كتاب الاربعين – (اللهم لا تحرمنى طيبات الجنان واجعلني.. الخ) في اخره (ريحانها) بدل (طيبها) إلى غير ذلك من المواضع المعدودة في كتاب الاربعين والبحار. ونحن قد اعتمدنا هنا في نقل الخبر المذكور على كلام شيخنا البهائي (رحمه الله) في اربعينه، فنقلناه من الكتاب المذكور من نسخة معتمدة مقابلة على شيخنا العلامة ابى الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (طيب الله تعالى مضجعه). تتمة روى شيخنا المجلسي في كتاب البحار (1) من كتاب الفقه الرضوي قال: (قال (عليه السلام): ايما مؤمن قرأ في وضوئه (انا انزلناه في ليلة القدر..) خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه). وروى شيخنا المشار إليه – في الكتاب المذكور ايضا (2) عن كتاب اختيار السيد ابن الباقي وكتب البلد الامين – ان (من قرأ بعد اسباغ الوضوء (انا انزلناه في ليلة القدر.) وقال: اللهم انى اسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك وتمام مغفرتك، لم تمر بذنب قد اذنبه إلا محته). وروى فيه (3) ايضا عن كتاب الاختيار قال: (قال الباقر (عليه السللام): من قرأ على أثر وضوئه آية الكرسي مرة، اعطاه الله تعالى ثواب اربعين عاما، ورفع له اربعين درجة، وزوجه الله اربعين حوراء. وقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي إذا توضأت فقل: بسم الله انى اسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك وتمام مغفرتك، فهذا زكاة الوضوء).


(1) ج 18 ص 75 من كتاب الطهارة. (2) ج 18 ص 78 من كتاب الطهارة. (3) ج 18 ص 76. والرواية في البحار عن جامع الاخبار.


[ 170 ]

اقول: قال في الفقيه (1) (زكاة الوضوء ان يقول المتوضئ: اللهم اني اسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك والجنة، فهذا زكاة الوضوء). ويحتمل أن يكون اطلاق الزكاة عليه اما باعتبار نمو التطهير فزيادته وكماله بسببه أو باعتبار انه سبب لقبول الوضوء كما ان الزكاة سبب لقبول الصلاة والصوم.


(1) ج 1 ص 32

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: