أحكام العقود

الفصل الرابع

في أحكام العقود

والبحث هنا يقع في مطالب أربعة:

المطلب الأول

في النقد والنسيئة

أي البيع الحال والمؤجل، سمى الاول نقدا باعتبار كون الثمن منقودا ولو بالقوة، والثانى مأخوذ من النسئ وهو تأخير الشئ، تقول: أنسأت الشئ انساء: أي أخرته، والنسيئة اسم: وضع موضع المصدر. قال شيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقده): واعلم أن البيع بالنسبة إلى تعجيل الثمن والمثمن وتأخيرهما والتفريق، أربعة اقسام: فالاول النقد، والثانى بيع الكالئ بالكالئ بالهمز اسم فاعل أو مفعول من المراقبة، لان كلا من الغريمين يرتقب صاحبه لاجل دينه، ومع حلول المثمن وتأجيل الثمن هو النسيئة، وبالعكس السلف، وكلها صحيحة عدا الثاني، وقد ورد النهى عنه (1) وانعقد الاجماع على فساده.


(1) المستدرك ج 2 ص 491 وفى الحديث نهى (صلى الله عليه وآله) عن بيع الكالئ بالكالئ بالهمزة وبدونه، ومعناه بيع النسيئة بالنسيئة، وذلك كان يسلم الرجل الدراهم في طعام إلى أجل فإذا حل الاجل، يقول الذى حل عليه الطعام ليس عندي طعام، ولكن بعنى اياه إلى أجل، فهذه نسيئة انقلب إلى نسيئة نعم لو قبض الطعام وباعه اياه لم يكن كاليا بالكالئ ” منه رحمه الله “.


[ 119 ]

اقول: الظاهر أن النهى عن بيع الكالى بالكالى ما هو من من طريق العامة (1) والذى في أخبارنا انما هو النهى عن بيع الدين بالدين كما في رواية طلحة بن زيد (2) وفى الصحيح (3) في بيع الدين قال: ” لا يبيعه نسيئا، فاما نقدا فليبعه بما شاء “. ويظهر من التذكرة ان بيع الكالئ بالكالئ هو أن يبيع الدين بالدين، سواء كان مؤجلا أم لا (4) وظاهرهم تحريم الامرين كليهما وسيجيئ تحقيق المسألة ان شاء الله تعالى في كتاب الدين.

وفى هذا المقام مسائل:

(الاولى) من اشترى مطلقا كان الثمن حالا من غير خلاف، ويدل عليه ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن عمار بن موسى في الموثق (5) عن أبى عبد الله (ع) ” في رجل اشترى من رجل جارية بثمن مسمى ثم افترقا ؟ قال: وجب البيع، والثمن إذا لم يكونا اشترطا فهو نقد “. أقول: يعني إذا لم يشترط التاخير، ولو اشترطا التعجيل أفاد التأكيد، لما عرفت من أن الاطلاق يقتضى التعجيل.


(1) سنن البيهقى ج 5 ص 290. (2) الوسائل الباب 5 من ابواب الدين الرقم 1 الكافي ج 5 ص 100 (3) الوسائل الباب 6 من ابواب احكام العقود الحديث 8. (4) قال ابن الاثير في النهاية: نهى عن الكالى بالكالى أي النسيئة بالنسيئة، وذلك أن يشترى الرجل شيئا إلى أجل، فإذا حل الاجل لم يجد ما يقضى به، فيقول بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شئ فيبيعه منه، ولا يجرى بينهما تقابض. انتهى منه. (5) الوسائل الباب 1 من أبواب أحكام العقود الرقم 2.


[ 120 ]

قال في الدروس: فان شرطه تأكد، وأفاد التسلط على الفسخ إذا عين زمان النقد وأخل المشترى به، أقول: هذا على مذهبه في المسألة (1). وأما على القول الاخر فان الشرط لازم يجب الوفاء به، ويجبر على ذلك، وقد تقدم ذكر المسألة في المسألة الاولى من المقام الثاني في أحكام الخيار (2) وان اشترط تأجيل الثمن، وجب أن تكون المدة معينة مضبوطة لاتقبل الزيادة والنقصان (3) فلو شرط التأجيل ولم يعين، أو عين أجلا يحتمل الزيادة والنقصان كقدوم الحاج وادراك الغلة، أو عين ما هو مشترك بين أمرين أو أمور كالنفر من منى فانه مشترك بين أمرين، وشهر ربيع فانه مشترك بين شهرين لا يصح، هذا هو المشهور، وقيل: يصح، ويحمل على الاولى في الجميع، لتعليقه الاجل على اسم معين وهو يتحقق بالاول، لكن يعتبر علمهما بذلك قبل العقد، ليتوجه قصدهما إلى اجل مضبوط. اقول: والمستفاد من الاخبار انما هو الاول، وهو الذى عليه العمل، ولافرق في المدة بين كونها قصيرة أو طويلة، بل قال في المسالك: ” فلو شرطاها ألف سنة ونحوها صح وان علما أنهما لا يعيشان إليها عادة، للعموم، ولان الوارث يقوم مقامهما.


(1) حيث انه قال في بحث الشرط: يجوز اشتراط سائغ في البيع، فيلزم الشرط عليه من طرف المشترط عليه، فان أخل به فللمشترط الفسخ، وهل يملك اجباره عليه فيه نظر انتهى منه قدس سره. (2) ص 65. (3) ومن أصرح الاخبار في ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية غياث بن ابراهيم ” لا بأس بالسلف كيلا معلوما إلى أجل معلوم، ولا تسلمه إلى دياس ولا إلى حصاد ” أي لا يكون الاجل دق الطعام أو حصاده، وهو صريح في المدعى منه قدس سره. (4) الوسائل الباب 3 من ابواب السلف الرقم 5.


[ 121 ]

اقول: ما ذكره شيخنا (قدس سره) من عدم الفرق هنا بين المدة القصيرة والطويلة هو المشهور في كلام الاصحاب، ونقل عن ابن الجنيد أنه منع من أقل من ثلاثة أيام في السلف، ومن أكثر من ثلاث سنين مطلقا. والذى وقفت عليه هنا من الاخبار ما رواه في الكافي عن أحمد بن محمد (1) ” قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام): انى أريد الخروج إلى بعض الجبال فقال: ما للناس بد من أن يضطر بواسنتهم هذه، فقلت له: جعلت فداك انا إذا بعناهم بنسيئة كان أكثر للربح، قال: فبعهم بتأخير سنة، قلت: بتأخير سنتين ؟ قال: نعم، قلت بتأخير ثلاث ؟ قال: لا “. وما رواه عبد الله بن جعفر الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن أحمد بن محمد ابن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر (2) ” أنه قال لابي الحسن الرضا (عليه السلام) ان هذا الجبل قد فتح على الناس منه باب رزق، فقال: ان أردت الخروج فاخرج فانها سنة مضطربة، وليس للناس بد من معاشهم، فلا تدع الطلب، فقلت: انهم قوم ملاء ونحن نحتمل التأخير فنبايعهم بتأخير سنة ؟ قال: بعهم، قلت: سنتين ؟ قال: بعهم قلت: ثلاث سنين ؟ قال: لا يكون لك شئ أكثر من ثلاث سنين “. ولعل ابن جنيد استند إلى ذلك، وان كانت أقواله في جل الاحكام بعيدة المدا عن أخبارهم (عليهم السلام) والظاهر حمل الخبرين المذكورين على الكراهة لما يستلزمه من طول الامل، أو من حيث صعوبه تحصيله بعد هذه المدة الطويلة، لما هو معلوم من أحوال الناس في ثقل اداء الدين، ولا سيما بعد أمثال هذه المدة.


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب احكام العقود الرقم 1 الكافي ج 5 ص 207. (2) الوسائل الباب 1 من ابواب أحكام العقود الرقم 3.


[ 122 ]

ولو باع بثمن حالا، وبأزيد منه مؤجلا أو فاوت بين أجلين في الثمن كان يقول بعتك حالا بماءة، والى شهر بمأتين، أو مؤجلا إلى شهر بمائة، والى شهرين بمائتين فالمشهور البطلان، لجهالة الثمن، لتردده بين الامرين. وقيل: ان للمشترى أن يأخذه مؤجلا بأقل الثمنين (1). ويدل على هذا القول ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (ع) والصدوق في الفقيه عن محمد بن قيس عن أبى جعفر (عليه السلام) ” قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع سلعة فقال: ان ثمنها كذا وكذا يدا بيد، وثمنها كذا وكذا نظرة، فخذها بأى ثمن شئت، وجعل صفقتهما واحدة فليس له الا أقلهما


(1) أقول: الذى وقفت عليه في كلام المتقدمين من الخلاف انما هو في الصورة الاولى: وهو البيع بثمن حالا وبأزيد مؤجلا، ومذهب الشيخ في النهاية هو أن له أقل الثمنين وأبعد الاجلين، والمفيد قال: لا يجوز البيع كذلك، ثم قال: فان ابتاع انسان على هذا الشرط كان عليه أقل الثمنين في آخر الاجلين، وعن السيد المرتضى انه مكروه، وعن ابن الجنيد انه لا يحل، وعن سلارانه باطل غير منعقد، وهو قول ابى الصلاح، وعن ابن البراج مثل مذهب الشيخ المفيد، وظاهر كلاهما أن العقد صحيح غير لازم، والتعبير بالبطلان كناية عن عدم لزومه، والا فلا معنى لقولهما ان اجرى البيع على هذا الشرط، كان الحكم ان للبايع أقل الثمنين إلى أبعد الاجلين، وعن ابن حمزة انه لا يصح، وعن ابن ادريس أنه لا يجوز ويبطل البيع، وهو المشهور بين المتأخرين من العلامة والمحقق ومن تأخر عنهما. منه رحمه الله (2) الكافي ج 5 ص 206 الفقيه ج 3 ص 179.


[ 123 ]

وان كانت نظرة ” وزاد في الكافي ” قال: وقال على (عليه السلام): من ساوم بثمنين أحدهما عاجل والاخر نظرة فليسم أحدهما قبل الصفقة “. وما رواه الشيخ في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (1) ” ان عليا (عليه السلام) قضى في رجل باع بيعا واشترط شرطين، بالنقد كذا وبالنسيئة كذا، فأخذ المتاع على ذلك الشرط فقال: هو بأقل الثمنين وأبعد الاجلين، يقول: ليس له الا اقل النقدين إلى الاجل الذى أجله بنسيئة “. والاصحاب قد ردوا هذا القول بالضعف والندور، وروايته بالضعف والشذوذ، حتى المحدث الكاشانى في المفاتيح، والظاهر أنهم لن يقفوا الا على رواية السكوني، والا فرواية محمد بن قيس صحيحة برواية الفقيه، وحسنة لا تقصر عن الصحيح، بناء على الاصطلاح الغير الصحيح على رواية الكافي، الا أن الزيادة التى في صحيحة محمد بن قيس على رواية الكافي لا تخلو من منافرة لما دلت عليه الصحيحة المذكورة، فان الظاهر أن المراد منها كما ذكره بعض مشايخنا (نور الله مراقدهم) هو أنه لا يجوز هذا الترديد، بل لابد من أن يعين أحدهما قبل العقد ويوقعه عليه. وقال بعض المحققين: لعل معناه أن يعين كل واحد منهما قبل وقوع البيع وعلى هذا فلا منافرة في العبارة المذكورة، وظاهر الفاضل الخراساني في الكفاية اختيار هذا القول، للخبرين المذكورين مع صحة الاول منهما وهو جيد، الا ان ذلك غير خال من الاشكال من حيث هذه الزيادة التى في الكافي، فانها ظاهرة في موافقة القول المشهور بالتقريب الذى ذكرناه أولا، وان كانت على الاحتمال الاخر غير منافية. وظاهر جملة من الاصحاب الاستناد في رد هذا القول إلى ما روى من النهى ” عن بيعين واحدة ” والظاهر انه اشارة إلى ما رواه في التهذيب عن سليمان


(1) التهذيب ج 7 ص 53.


[ 124 ]

بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن. وعن عمار الساباطى في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا من أصحابه واليا فقال له: انى بعثتك إلى أهل الله يعنى اهل مكة فانهيهم عن بيع ما لم يقبض، وعن شرطين في بيع وعن ربح ما لم يضمن “. قال في الوافى قيل اريد ” بشرطين في بيع ” ما اريد ” ببيعين في بيع ” في سابقه وهو ان يقول بعتك هذا الثوب نقدا بعشرة، ونسية بخمسة عشر، وانما نهى عنه، لانه لا يدرى أيهما الثمن الذى يختاره ليقع عليه العقد انتهى ثم قال: وربما يفسر ” بيعين في بيع ” بان يقول بعتك هذا بعشرين، على ان تبيعني ذلك بعشرة أو بما يشمل المعنيين انتهى. اقول: ان هذين الخبرين غير خليين من الاجمال المانع من الاعتماد عليهما في الاستدلال، والخروج بهما عن صريح الخبرين المتقدمين لا يخفى ما فيه. نعم يبقى الاشكال في ذينك الخبرين بما ذكره المحقق الاردبيلى طاب ثراه في هذا المقام، حيث قال بعد الكلام في بيان سند الصحيحة المذكورة وبالجملة الظاهر اعتبار سندها، ولكن في مضمونها تأمل وان عمل به، لان المالك انما رضى بالبيع بالثمن الكثير نظرة، فكيف يلزم بأقلهما نظرة، ومعلوم أن رضا الطرفين شرط في العقد، ” ولا يحل مال امرء الا بطيب نفسه (3) والحاصل أن الادلة العقلية


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الرقم 2 التهذيب ج 7 ص 230. (2) الوسائل الباب 10 من ابواب احكام العقود الرقم 6 التهذيب ج 7 ص 231. (3) الوسائل الباب 3 من ابواب مكان المصلى الرقم 3 1.


[ 125 ]

والنقلية كثيرة على عدم العمل بمضمونها فلا يعمل به وان كانت صحيحة، فكيف العمل بها مع كونها حسنة لوجود ابراهيم بن هاشم لو سلم ما تقدم، وان كان الظاهر ان ابراهيم لا بأس به، وما تقدم صحيح. وتقديم مثل هذه على الادلة العقلية والنقلية وتخصيصهما به والحكم بصحة البيع لا يخلو عن شى لاجل ذلك، لا لانها تستلزم الجهالة والغرر كما فهم من التذكرة، لان دخولها تحت الغرر المنفى والجهل الممنوع غير ظاهر، لان الاختيار إليه، وعلى كل من التقديرين الثمن معلوم، على أنه قد تقرر أن الاجل بالاقل، ولا لان في سندها جهالة وضعفا كما في شرح الشرايع. لان ذلك غير ظاهر، بل الظاهر ما عرفت، فينبغي اما العلم بمضمونها وفيه بعد، واما تأويلها فتأمل انتهى وهو جيد. والروايتان المذكورتان وان كان موردهما مخصوصا بما إذا كان البيع بثمن حال ومؤجل، إلا أن الاصحاب عدوهما أيضا إلى ما إذا باع إلى وقتين متأخرتين بتفاوت بين الثمنين من حيث قرب الاجل وبعده، كما تقدم، وأنت خبير بما فيه.

المسألة الثانية- المشهور بين الاصحاب أنه لو اشتراه البايع في حال كون البيع الاول نسيئة صح البيع الثاني، سواء كان قبل الاجل أو بعده، بجنس الثمن وغيره، بزيادة أو نقيصة، وقيل: بالتحريم في ما إذا كان البيع بجنس الثمن بزيادة أو نقصان، وقيل: بتخصيص ذلك بالطعام، والقول بالصحة فيما اتفقوا عليه مشروط بأن لا يشترط في بيعه الاول بيعه من البايع، والا لبطل البيع الاول سواء كان حالا أو مؤجلا وسواء شرط بيعه من البايع بعد الاجل أم قبله. والذى وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما رواه الصدوق في الصحيح عن منصور بن حازم (1) ” قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل كان له على رجل دراهم من ثمن غنم اشتراها منه، فاتى الطالب المطلوب يتقاضاه، فقال له


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود الحديث 1 الفقيه ج 3 ص 165.


[ 126 ]

المطلوب: أبيعك هذا الغنم بدراهمك التى لك عندي فرضي قال: لا بأس بذلك “. ومورد هذه الرواية هو شراء ما باعة عليه نسيئة بعد حلول الاجل بما هو أعم من الزيادة أو النقيصة بالنسبة إلى الثمن الاول من غير شرط سابق، ومنه يعلم عدم الفرق في الجواز بين حلول الاجل وقبله إذا لم يكن طعاما. وبالسند المتقدم عن منصور بن حازم (1) ” قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك، فاتى المطلوب الطالب ليبتاع منه شيئا، قال: لا يبيعه نسيئا، فاما نقدا فليبعه بما شاء “. قال في الوافى: ” شيئا ” أي من ذلك المتاع الذى عليه، ولا يبعد أن يكون تصحيف نسيئا انتهى وهو جيد. اقول: وهذا الخبر ظاهر في جواز شراء ما باعه نسيئة قبل حلول الاجل بزيادة أو نقيصة نقدا، والظاهر أنه انما منع من بيعه نسيئة لاستلزامه بيع الدين بالدين، لان هذه الاشياء دين على من اشتراها، فمتى باعها بثمن مؤجل لزم بيع الدين بالدين، وفيه كلام (2) يأتي ان شاء الله تعالى في مسألة الدين بالدين وتحقيق ما هو المراد من ذلك. وكيف كان فان هذا الخبر مناف لما قدمنا نقله عنهم من تجويزهم شراء النسيئة حالا أو مؤجلا، لدلالة الخبر كما ترى على التخصيص بالنقد والمنع من النسيئة.


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب احكام العقود الحديث 8 التهذيب ج 7 ص 48. (1) وهو أن جملة من الاصحاب منهم شيخنا الشهيد الثاني صرحوا بأن الدين بالدين الممنوع في الاخبار منه انما هو ما إذا كان العوضان دينا قبل العقد، كما لو باعه الدين الذى في ذمته، بدين آخر له في ذمته، أوفى


[ 127 ]

ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن بشار بن يسار (1) قال: ” سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يببع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذى يبيعه منه ؟ قال: نعم لا بأس به، فقلت له: اشترى متاعى ؟ فقال: ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك ” وهو ظاهر في جواز الشراء بالزيادة والنقصان قبل الاجل وبعده بجنس الثمن أو غير جنسه. وروى في الكافي والتهذيب عن الحسين بن المنذر ” قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) يجيئنى الرجل فيطلب العينة فاشترى له المتاع مرابحة، ثم أبيعه اياه، ثم اشتريه منه مكاني ؟ قال: فقال: إذا كان بالخيار ان شاء باع، وان شاء لم يبع (3) وكنت ايضا بالخيار ان شئت اشتريت، وان شئت لم تشتر فلا بأس، قال: قلت: فان اهل المسجد يزعمون أن هذا فاسد، ويقولون:


ذمة ثالت، أو تبايعا دينا في ذمة غريم لاحدهما، بدين في ذمة غريم آخر للاخر، ونحو ذلك، لاما إذا باع دينا بمؤجل في العقد، لانه انما صار دينا بالعقد، واشترط التأجيل فيه، وهذا الخبر كما ترى ظاهر في خلاف ما ذكره، إذ لا وجه للنهى هنا الا من حيث لزوم بيع الدين بالدين، كما لا يخفى. منه رحمه الله. (1) الكافي ج 5 ص 208 التهذيب ج 7 ص 48 الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود. (2) الكافي ج 5 ص 202 التهذيب ج 7 ص 51 الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود. (3) فان قوله: إذا كان بالخيار ان شاء باع إلى آخره كناية عن تحقق البيع الاول، فانه متى تحقق وجب انتقال كل من العوضين إلى مالكه فصار لكل منهما الخيار فيما انتقل كل من العوضين إلى مالكه فصار لكل منهما الخيار فيما انتقل إليه بخلاف ما إذا حصل الشرط في العقد الاول، فانه يرفع الخيار والاختيار. منه رحمه الله.


[ 128 ]

ان جاء به بعد أشهر صلح. فقال: ان هذا تقديم وتأخير فلا بأس به ” وفى هذا الخبر ايماء إلى انه مع الشرط لا يصح البيع، وانه لابد من تحقق العقد الاول واقعا وعدم توقفه على شرط. وأظهر منه في ذلك ما رواه الحميرى في قرب الاسناد عن على بن جعفر (1) عن أخى موسى (عليه السلام) ” قال: سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم، ثم اشتراه بخمسة دراهم أيحل ؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس ” ورواه على بن جعفر في كتابه، الا أنه قال: ” بعشرة دراهم إلى أجل ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد ” وهو أظهر في عنوان المسألة. إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر كلام الاصحاب أنه لادليل في الاخبار على ما ذكروه من البطلان بالشرط في العقد الاول وانما استدل عليه العلامة في التذكرة باستلزامه الدور، وناقشه جملة من المتأخرين، منهم شيخنا الشهيد الثاني قال (قدس سره) في المسالك: واختلف كلامهم في تعليل البطلان مع الشرط المذكور، فعلله في التذكرة باستلزامه الدور، لان بيعه له يتوقف على ملكه له، المتوقف على بيعه، ورد بأن الموقوف على حصول الشرط هو اللزوم لا الانتقال، وتمنع توقف تملك المشترى على تملك البايع، بل تملكه موقوف على العقد المتأخر عن ملك المشترى، ولانه وارد في باقى الشروط كشرط العتق، والبيع للغير مع صحته اجماعا، وعلل أيضا بعدم حصول القصد إلى نقله عن البايع، ويضعف بأن الفرض حصوله، وارادة شرائه بعد ذلك لا ينافى حصول قصد النقل، والا لم يصح إذا قصدا وان لم يشترطا، وقد صرحوا بصحته. انتهى. اقول: وقد عرفت الدليل على ذلك من الخبرين المذكورين، فلا حاجة


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود الرقم 6.


[ 129 ]

إلى هذه التعليلات، ولكنهم لم يقفوا عليهما، والسبب في ذلك هو قصور النظر عن تتبع الاخبار. وأما القول بالبطلان فيما إذا كان البيع الثاني بجنس الثمن الاول مع الزيادة أو النقصان فهو للشيخ قدس سره في النهاية قال في الكتاب المذكور: إذا اشترى نسيئة فحل الاجل ولم يكن معه ما يدفعه إلى البايع جاز للبايع أن يأخذ منه ما كان باعه اياه من غير نقصان من ثمنه، فان أخذه بنقصان مما باع، لم يكن ذلك صحيحا، ولزمه ثمنه الذى كان أعطاه به، فان أخذ من المبتاع متاعا آخر بقيمته في الحال لم يكن بذلك بأس ” انتهى. واستند قدس سره فيما ذكره إلى ما رواه في التهذيب عن خالد بن الحجاج (1) ” قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بعته طعاما بتأخير إلى أجل مسمى، فلما جاء الاجل أخذته بدراهمي، فقال: ليس عندي دراهم ولكن عندي طعام فاشتره منى، فقال: لا تشتره منه فانه لاخير فيه “. وأنت خبير بأن هذا الخبر مع صحة العمل به غير منطبق على مدعاه من وجوه، أحدها من حيث أن موردها الطعام، ومدعاه أعم كما تقدم في عبارته، ولهذا خص البعض الحكم بالطعام كما قدمنا الاشارة إليه، وثانيها تخصيصة ذلك بالعين التى باعها فانه حكم بالجواز في عبارته المذكورة في غيرها، ومورد الرواية أعم من ذلك، وثالثها تخصيصه المنع بالزيادة والنقيصة، أما المثل فجايز عنده والرواية ظاهره المنع في الجميع. وما رواه في الفقيه عن عبد الصمد بن بشير (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام)


(1) التهذيب ج 7 ص 33. (2) التهذيب ج 7 ص 35 مع اختلاف يسير الفقيه ج 3 ص 130 الاستبصار ج 3 ص 77.


[ 130 ]

قال: ” سأله محمد بن القاسم الحناط فقال: أصلحك الله أبيع الطعام من الرجل إلى أجل، فأجئ وقد تغير الطعام من سعره، فيقول: ليس عندي دراهم، قال: خذ منه بسعر يومه، فقال: افهم أصلحك الله انه طعامي الذى اشتراه منى قال: لا تأخذ منه حتى يبيع ويعطيك، قال: أرغم الله أنفى رخص لى فرددت عليه فشدد علي “. وهذا الخبر أورده الشيخ في الاستبصار بيانا لما اختاره من عدم جواز البيع باكثر مما باعه: واعترضه بعض مشايخنا (1) عطرالله مراقدهم في حواشيه على الكتاب ” بأن هذا الخبر ليس فيه دلالة على دعواه بوجه من الوجوه، لان المعنى أن السائل لما طمع أن يرخص له أخذ طعامه الذى دفعه إليه، مع أن القيمة قد زادت والحال أنه لا يستحق الا دراهم، فلم يرخص له أن ياخذه الا بسعر يومه. انتهي. وأما ما يدل على المشهور فما تقدم من صحيحة بشار بن يسار، وصحيحة منصور بن حازم، (2) وما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق في بعض، والصحيح في بعض عن يعقوب بن شعيب (3) وعبيد بن زرارة ” قال: سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باع طعاما بدارهم إلى أجل، فلما بلغ ذلك الاجل تقاضاه فقال: ليس عندي دراهم خذمنى طعاما قال: لا بأس به انما له دارهم يأخذ بها ما شاء ” والشيخ حمل هذا الخبر على عدم الزيادة، وسياق الخبر ظاهر في خلافه (4)


(1) هو شيخنا الشيخ على بن سليمان القدسي البحراني في حواشيه على الكتاب منه رحمه الله عليه. (2) ص 127 و 126. (2) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 33 الفقيه ج 3 ص 166. (4) فان ظاهر سياقه أن الذى يستحقه انما هو الدراهم فهو يشترى بالدراهم ما شاء من طعام وغير طعام ولو قيل باشتراط المثل كمايد عيه للزم ذلك في غير الطعام أيضا وهو لا يقول به. منه رحمه الله.


[ 131 ]

وبالجملة فان الاخبار هنا انما تعارضت في الطعام خاصة، والمشهور في كلام الاصحاب الجمع بينها بحمل رواية خالد بن الحجاج فانها هي الظاهرة في المنع على الكراهة.

المسألة الثالثة: إذا ابتاع شيئا مؤجلا فانه لا يجب عليه دفع الثمن قبل حلول الاجل، بل لا يجوز طلبه، لوجوب الانظار بالشرط المواقع في العقد، والاظهر أيضا عدم وجوب قبضة على البايع لو دفعه إليه المشترى قبل الاجل. قال: بعض المحققين: ” وقد يتخيل الوجوب، لان الا لرجل لرعاية حال المشترى والترفه له، كالرخصة له، لا لاجل البايع، ولهذا يزاد الثمن، فإذا حصل الثمن الزايد للبايع نقدا فهو غاية مطلوب التجار، فلا ينبغى الامتناع عنه وأيضا قد يتضرر المشترى بعدم الاخذ ولان الظاهر أن أخذ الحق مع دفع صاحبه واجب عندهم عقلا ونقلا وقد أفاد الاجل عدم وجوب الدفع، لا عدم وجوب الاخذ فتأمل. ولان الظاهر من قولنا بعتك هذا بكذا إلى مدة كذا أن زمان الاداء إلى تلك المدة موسعا، فذلك الزمان نهاية الاجل للتوسعة بمنى عدم التضييق الا في ذلك الزمان كالواجب الموسع ولاشك ان الاخذ احوط الا مع ظهور ضرر عليه ” انتهى. أقول: جميع ما ذكره (قدس سره) من الوجوه جيد لكن غايته افادة الاولوية فان الوجوب حكم شرعى يترتب على تركه العقوبة والمؤاخذة منه سبحانه، فلابد له من دليل واضح من آية أو رواية، لانحصار الادلة الشرعية عندنا في ذلك، ومجرد هذه التقريبات العقلية لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية كما قدمنا ذكره في غير مقام. ويجب الدفع بعد حلول الاجل ومطالبة البايع، فان لم يطالب وأراد المشترى الدفع وجب على البايع أخذه، ولو امتنع رفع الامر إلى الحاكم الشرعي، فاما أن يجبره على قبضه، أو يقبضه الحاكم الشرعي حسبة، ومع تعذر الحاكم.


[ 132 ]

فالظاهر قيام عدول المؤمنين بذلك، كما يفهم من جملة من الاخبار، وبذلك تبرء ذمة المشترى، فان تلف بغير تفريط فلا ضمان على المشترى ولا على الامين من الحاكم والقائم مقامه، وهكذا الحكم في ساير الحقوق المالية. ولو تعذر الحاكم ومن يقوم مقامه فلو عزله وأبقاه امانة عنده وتسلط عليه صاحبه بحيث متى اراده قبضه، فالظاهر انه يبرء بذلك من ضمانه، وانه يخرج بذلك عن عهدته، وانه يجب على صاحبه اخذه، والا كان مضيعا لماله، بل يمكن ذلك مع وجود الحاكم ايضا، لان الحاكم انما هو وكيل مع عدم وجود الموكل وامكان مثله، وإلى ذلك اشار في التذكرة في احكام السلف، الا ان المشهور هو الرجوع إلى الحاكم اولا. قيل: ويجوز للمشترى التصرف فيه بعد تعيينه، فيرجع إلى ذمته، ولو تجدد له نماء فهو له. قال في المسالك: ومقتضى ذلك انه لا يخرج عن ملكه وانما يكون تلفه من البايع عقوبة له وفيه نظر ” (1) انتهى. ولو امتنع المشترى من دفعه بعد حلول الاجل ومطالبة البايع، فظاهر كلام الاصحاب هنا وجوب رفع الامر إلى الحاكم أولا، ومع تعذره فالمقاصة ان لم يتمكن من الاخذ قهرا، وظاهر الاخبار المقاصة وان كان موردها أعم مما نحن فيه. ثم انه مع امكان الرجوع إلى الحاكم الشرعي فلا اشكال. وأما مع تعذره وعدم امكان تحصيله قهرا أو مقاصة فهل يرفع الامر إلى حاكم الجور ؟ اشكال ينشأ


(1) اقول وجه النظر هو أنه متى كان عزله وتعينه على حدة موجبا لبراءة الذمة وخلو عهدة المشترى، فهو ينتقل بذلك إلى البايع، ويكون النماء له والتلف منه، ولا معنى لكون النماء للمشترى، والتلف على البايع عقوبة، إذا لجميع انما يترتب على الانتقال كما عرفت. منه رحمه الله


[ 133 ]

من النهى عن الترافع إلى الجبت والطاغوت، الا أن الظاهر كما ذهب إليه جملة من اصحابنا هو اختصاص تحريم الترافع إليهم بوجود الحاكم الشرعي، كما هو ظاهر جملة من اخبار المسألة، وبعضها وان كان مطلقا فانه يجب حمله على المقيد، عملا بالقاعدة، وأيضا فظاهر الاخبار المشار إليها هو المنع من الترافع في اثبات الحق بالبينة أو اليمين، دون مجرد الاستعانة بهم على أخذه مع ثبوته، وعدم انكار الخصم ذلك، كما هو محل البحث. ومتى انتقل الامر إلى المقاصة أو الاخذ منه قهرا فيجب مراعاة الاسهل فالاسهل، فان وجد الجنس المساوى لا يتعدى إلى غيره، وينبغى سيما إذا كان مؤمنا المسامحة والسهولة في الاقتضاء لما ورد في ذلك وعدم المقاصة التامة، وقد تقدم حديث الصادق (عليه السلام) (1). في انكاره على من استقضى حقه، وأنه إسائة منهى عنها، وهكذا الحكم في طرف البايع إذا باع سلما، وكذا سائر الحقوق.

المسألة الرابعة: يجوز بيع المتاع حالا ومؤجلا بزيادة عن قيمته، وقيد ذلك بعضهم بكون المشترى والبايع عالمين بالقيمه، واورد على ذلك أن مقتضاه أنهما لو لم يكونا عالمين بالقيمة لا يصح البيع مع أنه ليس كذلك، فانه يصح البيع، وان ثبت للجاهل منهما خيار الغبن متى كان مما لا يتسامح به، كما تقدم في خيار الغبن (2) ويمكن حمل كلام من ذكر هذا القيد على أنه اراد بالجواز اللزوم مجازا، إذ مع الجهل وثبوت الغبن لا يلزم. ثم انه ينبغى أن يعلم أنه لابد من تقييد الصحة مع الزيادة بعدم استلزام السفه بأن يتعلق بالزيادة غرض صحيح عند العقلاء، اما لقلتها أو لترتب غرض آخر يقابل الزيادة، كالصبر عليه بدين حال ونحو ذلك.


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الدين الرقم 1. (2) ص 41.


[ 134 ]

المسالة الخامسة: لا يجوز تأخير ثمن المبيع ولا شئ من الحقوق المالية بزيادة فيها، ويجوز تعجيلها بنقصان منها. أما الاول فلاستلزام الزيادة في هذه الصورة الربا. نعم يجوز التأجيل في عقد لازم كالبيع ونحوه بزيادة في ثمن ما يبيعه اياه وان زادت على ثمنه الواقعي أضعافا مضاعفة، وهذا من الحيل الشرعية في التخلص من الربا. وعليه ظاهر اتفاق الاصحاب (رضوان الله عليهم) وبه استفاضت الاخبار كان يكون له في ذمته ماءة درهم حالا، ويريد تأجيلها إلى سنة بزيادة عشرين درهما مثلا، فان الطريق في ذلك أن يبيعه خاتما قيمته درهم مثلا بعشرين درهما، ويشترط تأجيل الثمن مع المأة الدرهم التى في ذمته إلى سنة، فانه لا شك في صحته. ويدل على ذلك من الاخبار ما رواه في الكافي عن محمد بن اسحاق بن عمار (1) قال: ” قلت لابي الحسن (عليه السلام): ان سلسبيل طلبت منى ماءة ألف درهم على أن يربحني عشرة آلاف درهم فاقرضتها تسعين ألقا وأبيعها ثوبا أو شيئا تقوم على بألف درهم بعشرة آلاف درهم ؟ قال: لا بأس ” قال في الكافي: وفي رواية أخرى ” لا بأس به أعطها مأة ألف، وبعها الثوب بعشرة آلاف واكتب عليها كتابين “. وما رواه في الكافي والتهذيب (2) عن محمد بن اسحاق بن عمار قال: ” قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يكون له المال قد حل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى ماءة درهم بألف درهم ويؤخر عنه المال إلى وقت ؟ قال: لا بأس، قد أمرنى أبى ففعلت ذلك، وزعم أنه سأل ابا الحسن (عليه السلام) عنها فقال له: مثل ذلك “. وما رواه الشيخان المذكوران في الصحيح عن محمد بن اسحاق بن عمار (3)


(1) الكافي ج 5 ص 205. (2) الكافي ج 5 ص 205 التهذيب ج 7 ص 53. (3) الكافي ج 5 ص 205 التهذيب ج 7 ص 53.


[ 135 ]

قال: ” قلت لابي الحسن (عليه السلام): يكون لى على الرجل دراهم فيقول: أخرني بها وأنا أربحك فأبيعه جبة تقوم على بألف درهم بعشرة آلاف درهم، أو قال: بعشرين ألفا وأؤخره بالمال ؟ قال: لا بأس “. وما رواه عن عبد الملك بن عتبة (1) قال: ” سألته عن الرجل أريد أن أعينه المال، ويكون لى عليه مال قبل ذلك فيطلب منى مالا ازيده على مالى الذى لى عليه، أيستقيم ان أزيده مالا وأبيعه لؤلؤة تساوى مأة درهم بألف درهم فأقول له: أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أؤخرك بثمنها وبمالي عليك كذا وكذا شهرا، قال: لا بأس “. وما رواه في الكافي عن مسعدة بن صدقة (2) في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: ” سئل عن رجل له مال على رجل من قبل عينة عينها اياه فلما حل عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه فأراد أن يقلب عليه ويربح أيبيعه لؤلؤا وغير ذلك ما يسوى ماءة درهم بألف درهم ويؤخره ؟ قال: لا بأس بذلك، قد فعل ذلك أبى (عليه السلام) وأمرني أن أفعل ذلك في شئ كان عليه “. ومما يؤيد ذلك زيادة على ما ذكرنا ما رواه في التهذيب عن محمد بن سليمان الديلمى عن أبيه عن رجل كتب إلى العبد الصالح (3) (عليه السلام) ” يسأله انى أعامل قوما أبيعهم الدقيق أربح عليهم في القفيز درهمين إلى أجل معلوم، وانهم يسألونى أن أعطيهم عن نصف الدقيق دراهم، فهل لى من حيلة أن لا أدخل في الحرام ؟ فكتب (عليه السلام) إليه: أقرضهم الدراهم قرضا وازدد عليهم في نصف القفيز بقدر ما كنت تربح عليهم “.


(1) الكافي ج 5 ص 206 التهذيب ج 7 ص 52. (2) الكافي ج 5 ص 316. (3) التهذيب ج 7 ص 45.


[ 136 ]

وما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: ” سألته (عليه السلام) إلى أن قال: فقلت له: أشترى ألف درهم ودينارا بألفى درهم ؟ فقال: لا بأس بذلك ان أبى (عليه السلام)، كان اجرى على أهل المدينة منى، وكان يقول: هذا فيقولون: انما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال “. وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح (2) عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” قال: كان محمد بن المنكدر يقول لابي: يا أبا جعفر رحمك الله والله انا لنعلم أنك لو أخذت دينار أو الصرف بثمانية عشر فدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين، ما وجدته، وما هذا الا فرارا، وكان أبى يقول: صدقت والله، ولكنه فرار من باطل إلى حق “. والعجب أنه مع هذه الاخبار التى رأيت، واتفاق الاصحاب على ذلك كان بعض من يدعى الفضل من المعاصرين بل الا فضيلة ينكر ذلك ويقول ببطلانه، مستندا إلى أن البيع المذكور غير مقصود. وما هو الامحض اجتهاد في مقابلة النصوص، ورد على أهل الخصوص. وأما ما رواه الشيخ عن يونس الشيباني (3) قال: ” قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يبيع البيع والبايع يعلم أنه لا يسوى، والمشترى يعلم أنه لا يسوى الا أنه يعلم أنه سيرجع فيه فيشتريه به منه قال: فقال: يا يونس ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لجابر بن عبد الله: كيف أنت إذا ظهر الجور واورثتم الذل ؟ قال:


(1) الكافي ج 5 ص 246 التهذيب ج 7 ص 104 الفقيه ج 3 ص 185. (2) الكافي ج 5 ص 247 التهذيب ج 7 ص 104. (3) التهذيب ج 7 ص 19.


[ 137 ]

فقال له جابر: لا أبقيت إلى ذلك الزمان، ومتى يكون ذلك بأبى أنت وامى ؟ قال: إذا ظهر الربا يا يونس، وهذا الربا، وان لم تشتره منه رده عليك ؟ قال: قلت نعم قال: فقال: لا تقربنه فلا تقربنه ” حيث أنه باطلاقه دل على المنع مما دلت تلك الاخبار على جوازه، فأجاب عنه بعض مشايخنا في حواشيه على كتب الاخبار بالحمل على الكراهة وقال في الوافى بعد نقله على أثر الاخبار المتقدمة: لا منافاة بين هذا الخبر والاخبار المتقدمة، لان المتبايعين هيهنا لم يقصدا البيع ولم يوجباه في الحقيقة، وهناك اشترط ذلك في جوازه انتهى والجميع لا يخلو من البعد (1) والاظهر عندي حمل الخبر على التقية لما دلت عليه الاخبار المتقدمة (2) من تشديد العامه في المنع من هذه الصورة وأما الثاني: وهو جواز التعجيل بالنقصان، فقد صرح به الاصحاب من غير خلاف يعرف في الباب، وهو يكون بالابراء أو الصلح، والوجه في الابراء ظاهر، إذ لو أبرأه من الكل لصح، فكذا من البعض، وكذا الصلح، ويسمى صلح الحطيطة، وهو الذى وردت به الاخبار. منها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن ابان (3) عمن حدثه عن أبى عبد الله (عليه السلام قال: ” سألته عن الرجل يكون له على الرجل دين، فيقول له


(1) أما الاول فلما اشتمل عليه الخبر من مزيد التأكيد في النهي المستفاد من الحديث النبوى المستشهد به على ذلك، وأما الثاني فلان المتبادر من قوله الرجل يبيع البيع انما هو ايجاب البيع وقصده كما لا يخفى. منه رحمه الله. (2) ص 136. (3) الكافي ج 5 ص 258 التهذيب ج 6 ص 206.


[ 138 ]

قبل أن يحل الاجل: عجل لى النصف من حقى على أن أضع عنك النصف، أيحل ذلك لو احد منها ؟ قال: نعم “. وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابى عمير (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الرجل يكون له دين إلى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول: انقدنى كذا وكذا وأضع عنك بقيته أو يقول: أنقد في بعضه وأمدلك في الاجل فيما بقى عليك، قال: لا أرى به بأسا، انه لم يزدد على رأس ماله، قال الله جل ثناؤه (2) ” ولكم روس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. ” ورواه الشيخ في التهذيب والصدوق وفي الفقيه عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح الا أن فيه ” في الرجل يكون عليه الدين إلى أجل مسمى ” وهو الظاهر ولعل اللام في رواية الكافي هنا بمعنى على. وما رواه في الكافي (4) عن أبان عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اشترى جارية بثمن مسمى ثم باعها فربح فيها قبل أن ينقد صاحبها الذى هي له. فأتاه صاحبها يتقاضاه، ولم ينقد ماله، فقال صاحب الجارية للذين باعهم: اكفوني غريمي هذا والذى ربحت عليكم فهو لكم قال: لا بأس “. ورواه في الفقيه عن الحلبي في الصحيح (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) ” أنه سئل عن رجل ” الحديث.


(1) الكافي ج 5 ص 259 عن ابن ابى عمر عن حماد عن الحلبي عنه (عليه السلام). (2) سورة البقرة الاية 279. (3) التهذيب ج 7 ص 207 الفقيه ج 3 ص 21 وفيه (عليه دين). (4) الكافي ج 5 ص 211 التهذيب ج 7 ص 68 الفقيه ج 3 ص 138. (5) الفقيه ج 3 ص 138.


[ 139 ]

قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) في حواشيه على الكافي: والظاهر أنه باعهم للمشترى بأجل فلما طلب البايع الاول منه الثمن حط من الثمن بقدر ما ربح ليعطوه قبل الاجل، وهذا جايز كما صرح به الاصحاب، وورد به غيره من الاخبار انتهى. وهو جيد. والا فلو كان الثمن نقدا فانه لا معنى لهذه المصالحة باسقاط بعض حقه ليكفوه غريمه. ثم انه لا يخفى عليك ما في دلالة هذه الاخبار من سعة الدائرة في العقود الشرعية، فان ما اشتملت عليه هذه الاخبار من التراضي بالالفاظ الدالة على اسقاط بعض الثمن بتعجيله قبل حلول الاجل هي ألفاظ عقد الصلح.

المسألة السادسة- قال الشيخ في النهاية: لا بأس بابتياع جميع الاشياء حالا وان لم يكن حاضرا في الحال، إذا كان الشئ موجودا في الوقت أو يمكن وجوده، ولا يجوز أن يشترى حالا ما لا يمكن تحصيله، فأما ما يمكن تحصيله فلا بأس به وان لم يكن عند بايعه في الحال ” انتهى. ومنع ابن ادريس من ذلك، ونسب هذا القول إلى خبر واحد شاذ رواه الشيخ عن ابن سنان لا يجوز العمل به، ولا التعويل عليه، قال: لانا قد بينا أن البيع على ضربين بيع سلم، ولابد فيه من التأجيل، وبيع عين اما مرئية مشاهدة، أو غير حاضرة، وهو ما يسمى بخيار الرؤية وما أورده الشيخ خارج عن هذه البيوع لا مشاهدة ولا موصوف بوصف يقوم مقام المشاهدة، فدخل في بيع الغرر، والنبى (صلى الله عليه وآله) ” نهى عن بيع الغرر ” (1) و ” بيع ما ليس عند الانسان ” (2) ولا في ملكه الا ما اخرجه الدليل من السلم، ولان البيع حكم شرعى يحتاج في اثباته إلى دليل شرعى، ولا يرجع عن الامور


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب آداب التجارة الرقم 3. (2) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الرقم 2.


[ 140 ]

المعلومة بالدلالة القاهرة، بالامور المظنونة، وأخبار الاحاد التى لا توجب علما ولا عملا. انتهى. وقال ابن ابى عقيل: البيع عند آل الرسول (عليهم السلام) بيعان، أحدهما بيع شئ حاضر قائم العين، والاخر بيع شئ غائب موصوف بصفة مضمونة إلى اجل. انتهى وهو ظاهر قول ابن ادريس. والمستفاد من الاخبار الواردة في هذا المقام هو ما قدمنا نقله عن الشيخ (قدس سره). ومنها ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمن (1) بن الحجاج قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى الطعام من الرجل ليس عنده فيشترى منه حالا ؟ قال: ليس به بأس، قلت: انهم يفسدونه عندنا، قال: وأى شئ يقولون في المسلم ؟ قلت لا يرون به بأسا، يقولون: هذا إلى أجل، فإذا كان إلى غير أجل وليس هو عند صاحبه فلا يصلح، فقال: إذا لم يكن أجل كان أجود ثم قال: لا بأس أن يشترى الرجل الطعام وليس هو عند صاحبه إلى أجل وحالا لا يسمى له أجلا الا ان يكون بيعا لا يوجد مثل العنب والبطيخ وشبهه في غير زمانه فلا ينبغى شراء ذلك حالا.


(1) الفقيه ج 3 ص 179 التهذيب ج 7 ص 49. (2) اقول وهذه الرواية رواه الشيخ في التهذيب وفيها ” وليس هو عند صاحبه إلى اجل، فقال: لا يسمى له أجلا الا أن يكون ” إلى آخره، وهو من تحريفات الشيخ، والصحيح ما نقلناه في الاصل عن الفقيه، لانه هو الذى يستقيم به المعنى كما يخفى. (منه رحمه الله) ويمكن أن يكون التحريف من النساخ. على آخوندى.


[ 141 ]

وفي صحيحة أحرى لعبد الرحمن (1) المذكور عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” ان أبى كان يقول: لا بأس أن تبيع كل متاع كنت تجده في الوقت الذى بعته فيه ” ومعنى تجده يعنى تقدر عليه في ذلك الوقت. أقول: وهما مع صحة السند صريحتا الدلالة في صحة ما ذكره الشيخ، وبطلان ما ذكره ابن ادريس الموافق لمذهب العامة، كما يشير إليه الرواية، وقد تضمنت الانكار على المانعين من هذه الصورة، والتعجب من تسويغ السلم ومنع هذه الصورة، باعتبار أن البيع الخالى من الاجل أجود، وانما كان أجود لوجود المبيع يومئذ، والقدرة على تسليمه بخلاف السلم، فانه قد يتعسر تسليمه بعد الاجل، وفي ذلك اشارة إلى كون هذا أولى بالصحة من السلم الذى وافقوا على جوازه. ويعضده أن الاجل في السلم انما جعل ارفاقا بالبايع، لا أنه شرط في صحة المعاوضة، فيكون المعاوضة هنا سايغة، لما عرفت من ان القدرة على التسليم هنا أتم والحكمة في معاوضة البيع انما يتم بالقدرة على التسليم، وإذا كانت أتم وأجود في صورة النزاع وجب أن يكون الحكم فيه ثابتا، وما ذكره من افراد البيع، لا دليل على الحصر فيها، لتكاثر الاخبار بهذا الفره الذى هو محل البحث. ومن الاخبار المذكورة ايضا ما رواه في الفقيه عن الكنانى (2) ” قال: سألته عن رجل اشترى من رجل ماءة من صفر بكذا وكذا وليس عنده ما اشترى منه فقال: لا بأس إذا اوفاه الوزن الذى اشترط عليه “. وما رواه في التهذيب عن الشحام (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) ” في


(1) الكافي ج 5 ص 200 والوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الرقم 3. (2) الفقيه ج 3 ص 179 الوسائل الباب 7 من ابواب أحكام العقود الرقم 4 (3) التهذيب ج 7 ص 44.


[ 142 ]

رجل اشترى من رجل ماءة من صفر وليس عند الرجل شئ منه، قال: لا بأس به إذا أو فاه دون الذى اشترط له ” كذا في نسخ التهذيب، والظاهر أن قوله ” دون ” وقع تحريف الوزن كما في الخبر المتقدم، كم ومثل للشيخ (قدس سره.) وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) ” قال: سألته عن الرجل ياتيني يريد منى طعاما وبيعا وليس عندي أيصلح لى أن أبيعه اياه واقطع سعره ثم اشتريه من مكان آخر وادفع إليه قال: لا بأس إذا قطع سعره “. وكان ابن ادريس ظن انه لا مستند لهذا القول الا صحيحة عبد الله بن سنان التي اشار إليها، الا ان قوله مبنى على اصله الغير الاصيل من رد الاخبار التى عليها بناء الشريعة بين العلماء جيلا بعد جيل، وهو مما لا يلتفت إليه ولا يعول عليه في حقير ولا جليل. وأما ما رواه في التهذيب عن سليمان بن صالح (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” قال: نهى رسول الله (صلي الله عليه وآله) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن “. وما رواه في آخر الفقيه (3) في مناهى النبي (صلى الله وعليه وآله) ” قال: ونهى عن بيع ما ليس عندك ونهى عن بيع وسلف ” الخبر. ففيه أولا أنه يضعف عن معارضة ما ذكرناه من الاخبار المؤيدة بعمل


(1) التهذيب ج 7 ص 44 الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الرقم 2. (2) التهذيب ج 7 ص 230 الرقم 25. (3) الفقيه ج 4 ص 4 الوسائل الباب 7 من أبواب احكام العقود الرقم 5.


[ 143 ]

الاصحاب، وثانيا أنه يمكن حمله على بيع عين في ملك غيره، لجواز أن لا يبيعها صاحبها، لا ما إذا كان البيع في الذمة كما هو محل البحث جمعا بين الاخبار.

المطلب الثاني

فيما يدخل في المبيع

قالوا: والضابط الاقتصار على ما يتناوله اللفظ لغة وعرفا، قيل: والمراد بالعرف ما يعم الخاص والعام، وظاهرهم أن المراد بالعرف ما هو المتعارف بين الناس في اطلاق ذلك اللفظ، وما يراد منه ويستعمل فيه أعم من ان يكن عاما في جميع الاصقاع، والبلدان أو خاصا، باعتبار اصطلاح كل بلد وكل قطر على استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى. والاظهر أن يقال: ان الواجب هو حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية ان وجدت، والا فعلى عرفهم عليهم السلام، لانه مقدم على عرف الناس ان ثبت، والا فعلى ما هو المتعارف في السن المتخاطبين، والمتبادر في محاوراتهم وان اختلفت في ذلك الاصقاع والبلدان، ثم مع تعذر ذلك فاللغة، وربما قدم بعضهم اللغة على العرف. ومما يشير إلى ما ذكره الاصحاب في هذا الباب ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (1) انه كتب إلى أبى محمد (عليه السلام) ” في رجل


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب احكام العقود الرقم 1 والتهذيب ج 7 ص 150 الرقم 13 و 14.


[ 144 ]

اشترى من رجل بيتا في داره بجميع حقوقه، وفوقه بيت آخر، هل يدخل البيت الاعلى في حقوق البيت الاسفل أم لا ؟ فوقع (عليه السلام): ليس له الا ما اشتراه باسمه وموضعه ان شاء الله تعالى “. وكتب إليه (1) ” في رجل اشترى حجرة أو مسكنا في دار بجميع حقوقها، وفوقها بيوت ومسكن آخر، يدخل البيوت الا على والمسكن الا على في حقوق هذه الحجرة والمسكن الا سفل الذى اشتراه ام لا ؟ فوقع. (عليه السلام): ليس له من ذلك الا الحق الذى اشتراه ان شاء الله. وظاهر الخبرين أن المرجع إلى ما صدق عليه ذلك اللفظ عرفا، وظاهرهما عدم دخول البيت الا على في حقوق البيت الاسفل فلا يدخل في البيع. ومما يشير إلى الرجوع إلى اللغة في أمثال ذلك ما رواه الثقة الجليل على ابن ابراهيم القمى في تفسيره (2) في تفسير قوله عزوجل (3) ” له معقبات من يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله عن الصادق (عليه السلام) أن هذه الاية قرئت عنده فقال لقاريها: ألستم عربا، فكيف تكون المعقبات من بين يديه، وانما العقب من خلف، فقال الرجل: جعلت فداك كيف هذا فقال: انما أنزلت ” له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بامر الله ” ومن الذى يقدر بحفظ الشئ من أمر الله وهم الملائكة الموكلون بالناس. ” ورواه العياشي في تفسيره أيضا، (4) وفي الخبر المذكور دلالة على وقوع


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب احكام العقود الرقم 1 والتهذيب ج 7 ص 150 الرقم 13 و 14. (2) تفسير البرهان ج 2 ص 283. (3) سورة الرعد الاية 11. (4) تفسير البرهان ج 2 ص 283.


[ 145 ]

التغيير في القرآن كما هو أصح القولين وأشهرهما، وقد بسطنا الكلام في ذلك في موضع أليق. قال في المسالك: وقد حقق العلامة قطب الدين الرازي أن المراد تناول اللفظ بالدلالة المطابقية والتضمنية، لا الالتزامية، فلا يدخل الحائط لو باع السقف وهو حسن. انتهى. وقال المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد: والمراد بالمعاني ما يفهم منها بحسب التخاطب ارادة اللافظ ذلك، مطابقا كان أو تضمنا أو التزاما. أقول: وهو الاظهر بالنظر إلى ما قدمنا عنهم من الحوالة إلى العرف. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاصحاب (رضوان الله عليهم)، ذكروا هنا الفاظا وذكروا مدلولاتها بحسب العرف. فمن ذلك لفظ الارض والساحة والبقعة، والعرصة، فلا يندرج تحتها الشجر الذى فيها ولا الزرع، ولا البذر الكامن فيها. ونقل عن الشيخ انه لو قال: بحقوقها دخل (1) قال في المسالك: بل يفهم منه انها تدخل وان لم يقل بحقوقها محتجا بأنها من حقوقها، ثم قال: والمنع متوجه إلى الامرين، والا قوى عدم الدخول مطلقا الا مع دلالة اللفظ أو القرائن عليه، كقوله: وما اشتملت عليه أو وما أغلق عليه بابها. انتهى. وهو جيد.


(1) قال في المبسوط: إذا باع ارضا فيها بناء وشجر، وقال في العقد بحقوقها، دخل البناء والشجر، وان لم يقل بحقوقها لم يدخلا، وتبعه ابن البراج وابن حمزة، وهو ظاهر كلام ابن ادريس منه رحمه الله.


[ 146 ]

ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (1) ” في رجل اشترى من رجل أرضا بحدودها الاربعة، وفيها زرع ونخل وغيرهما من الشجر، ولم يذكر النخل ولا الزرع ولا الشجر في كتابه، وذكر فيه أنة قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها والخارجة منها، أيدخل الزرع والنخل والاشجار في حقوق الارض ام لا ؟ فوقع (عليه السلام): إذا ابتاع الارض بحدودها وما أغلق عليه بابها، فله جميع ما فيها انشاء الله تعالى ” وهو ظاهر في الرد على ما نقل عن الشيخ، وصريح فيما ذكره في المسالك. ثم انه لو كان المشترى جاهلا بوجود تلك الاشياء في الارض كما لو اشتراها بالوصف أو الرؤية قبل الزرع والغرس، فله الخيار بين فسخ البيع واخذ ثمنه، وبين أخذها بذلك الثمن والرضا به وابقائه مجانا، كذا ذكره جملة من الاصحاب، ولم أقف هنا على نص. قال بعض المحققين: ولعل دليله أن وجود هذه الاشياء فيها سبب لتعطيلها غالبا والعقد يقتضى الانتفاع بالفعل من غير مضى زمان كثير عادة ففيه ضرر على المشترى. انتهى.


(1) التهذيب ج 7 ص 138 الرقم 84. (2) قال ابن ادريس: قوله ” وما اغلق عليه بابها ” يريد بذلك جميع حقوقها والجواب مطابق للسؤال. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: ونحن نمنع هذا التفسير ونقول: بموجب الحديث، فانه إذا اشترى بما اغلق عليه بابه، دخل الجميع بلا خلاف، ولعل الامام (عليه السلام) اشار إلى الجواب بطريق المفهوم وهو عدم الدخول، فانه علق الدخول بقوله ” وما اغلق عليه بابها ” ويفهم من ذلك عدم الدخول عند عدمه. انتهى وهو جيد. منه رحمه الله.


[ 147 ]

قالوا: ويدخل الاحجار المخلوقة في تلك الارض دون المدفونة، والظاهر أن وجه الفرق هو دخول الاولى في مفهوم اللفظ عرفا كالتراب، فان الجيمع من اجزاء الارض بخلاف الثانية، فانها بمنزلة الامتعة المدفونة، وعلى البايع نقلها وتسوية الحفر، ويتخير المشترى أيضا عندهم مع الجهل، وحصول الغرر ببقائها وانه لا خيار للمشترى أن تركها البايع مع عدم الضرر. ومن ذلك البستان، ولا ريب في دخول الارض والاشجار، لانه داخل في مفهومه لغة وشرطا، أم البناء فان كان حائطا لذلك البستان فالظاهر دخوله لما ذكر، وفي غيره كالبناء لسكني حافظ البستان وحارسه، والموضع المعد لوضع الثمرة ولجلوس من يدخله ونحو ذلك اشكال، ينشأ من عدم دخوله في مسماه لغة، ولهذا يسمى بستانا وان لم يكن شئ من ذلك ومن اطلاق البستان عليه ظاهرا إذا قيل: باع فلان بستانه وفيه بناء.

أقول: والوجه الاول من وجهى الاشكال أجود، الا أنه يدخل فيه الحائط. أيضا فان الظاهر أنه يسمى بستانا وان لم يكن عليه حائط، والاقوى في ذلك الرجوع إلى العرف، فان عد جزء منه أو تابعا دخل، والا فلا، والظاهر أن ذلك يختلف باختلاف البقاع والازمان واوضاع البناء. ومن ذلك الدار، ولا ريب في دخول الارض والبيوت التى اشتملت عليها تحتانية أو فوقانية مع الحيطان الدائرة عليها، والسقوف، الا أن يكون البيت الاعلى مستقلا بالسكنى، بأن يكون له باب على حدة من غيره هذه الدار المذكورة، فيكون ممتازا كالدار على حدة، وحينئذ لا يدخل البيت الاعلى وحيطانه وسقفه، والظاهر دخول أرضه التى هي سقف البيوت التحتانية الداخلة في الارض المفروضة، وتدخل فيها الابواب والاغلاق المنصوبة، والسلاسل، والحلق في الابواب وان لم يسمها، والاخشاب المستدخلة في البناء، والاوتاد المثبتة فيه، والسلم المثبت في الابنية على حذو الدرج، والوجه في دخول جميع هذه اقتضاء العرف كونها من


[ 148 ]

اجزاء الدار وتوابعها ومرافقها، ولو كان في الدار حمام معد لها أو بئر أو حوض فالظاهر دخولها، وكذا خوابى المثبتة في الارض أو الحالط بحيث تصير من اجزائها وتوابعها عرفا وفي دخول المفاتيح خلاف واشكال ينشأ من خروجها عن اسم الدار وكونها منقولة فيكون كالالات المنتفع بها في الدار ومن أنها من توابع الدار وكالجزء من الاغلاق المحكوم بدخولها، وأظهر في الخروج مثل الدلو والبكرة والرشا والسرير، والرف الغير المثبت كالموضوع على الخشب، والسلم الغير المثبت، والاقفال الحديد ومفاتيحها، والكنوز، والدفاين ونحو ذلك. ولو كان في الدار نخل أو شجر ولم يذكره في البيع لم يدخل، وقال الشيخ في المبسوط بالدخول، والكلام هنا كما تقدم في الارض. ومن ذلك الشجر، ويندرج فيه الاغصان والورق والعروق لقضاء العرف بشموله لذلك، ويستحق الابقاء معروسا ولا يستحق الغرس بل سقيه للابقاء خاصة، والظاهر تخصيص ذلك بالشجر الرطب، فانه هو الذى يتعلق الغرض بابقائه، دون اليابس الذى يقتضى العادة بأنه يقطع للحطب والوقود والبناء ونحو ذلك، ولو استثنى شجرة من البستان الدى باعه أو اشتراها من مالكها خاصة، لم تدخل الارض في البيع، لكن يستحق من منفعتها ما يتوقف عليه الانتفاع بالشجرة وثمرتها من الدخول إليها وسقيها وحرثها وجمع ثمرتها، ويستحق أيضا مدى جرائدها في الهواء وعرقها في الارض. ويدل على ذلك في الجملة ما رواه في الكافي والتهذيب عن السكوني (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” قال: قضى النبي (صلى الله عليه وآله) في رجل باع نخلا واستثنى عليه نخلة، فقضى له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدخل إليها


(1) الكافي ج 5 ص 295 التهذيب ج 7 ص 144 الرقم 25.


[ 149 ]

والمخرج منها ومدى جرائدها “. وروى في الفقيه عن السكوني (1) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحديث: وروى في الكافي والتهذيب عن عقبة بن خالد (2) ” ان النبي (صلى الله عليه وآله) قضى في هرائر النخل أن تكون النخلة والنخلتان للرجل في حائط الاخر، فيختلفون في حقوق ذلك، فقضى فيها أن لكل نخلة من أولئك من الارض مبلغ جريدة من جرائدها حين بعدها “. أقول: قوله ” حين بعدها ” أي منتهى طول الجريدة إذا طالت، وأما قوله ” هراير ” فقد اختلفت فيه نسخ الحديث اختلافا فاحشا ففى بعضها كما ذكرنا، وفي بعض ” بالواو ” عوض الراء الاولى، وفي بعض بالزاى عوضها، وفي بعض نسخ التهذيب ” هذا النخل “، والظاهر كما استظهره في الوافى حريم النخل، فوقع التحريف. وروى في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار (3) في الصحيح ” قال: كتبت إليه (عليه السلام) في رجل باع بستانا فيه شجر وكرم فاستثنى شجرة منها، هل له ممر إلى البستان إلى موضع شجرته التى اشتثناها، وكم لهذه الشجرة التى استثناها من الارض التى حولها ؟ بقدر اغصانها أو بقدر موضعها التى هي ثابتة فيه ؟ فوقع (عليه السلام: له من ذلك على حسب ما باع وأمسك فلا يتعد الحق في ذلك انشاء الله تعالى “.


(1) الفقيه ج 3 ص 57. (2) الكافي ج 5 ص 295 وفيه ” هوائر ” من الهور بمعنى السقوط أي في مسقط الثمار للشجرة التهذيب ج 7 ص 144 الرقم 26. (3) التهذيب ج 7 ص 90 الرقم 24.


[ 150 ]

أقول: لا يخفى ما في الجواب من الاجمال المانع من الاعتماد عليه في الاستدلال ومع ذلك فان الظاهر أن يقال: له من ذلك على حسب ما استثنى، وربما أشعر بأنه مع استثناء الشجرة فلا ينصرف ذلك الا إلى ما دخل تحت مفهوم هذا اللفظ عرفا، وهو مشكل بناء على ما عرفت من كلام الاصحاب ومن الاخبار المتقدمة. ومن ذلك النخل بالنسبة إلى ثمرته قبل التأبين وبعده، والمشهور في كلامهم أنه لو باع نخلا قد أبر ثمرها فهو للبايع، لان اسم النخلة لا يتناوله الا أن يشترطه المشترى، وان لم يكن مؤبرا فهو للمشترى. أقول: ويدل على الحكم الاول ما رواه في الكافي والتهذيب عن يحيى بن أبى العلاء (1) ” قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من باع نخلا قد لقح، فالثمرة للبايع الا أن يشترط المبتاع، قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك ” وعن غياث بن ابراهيم (2) عن أبى عبد الله عليه السلام ” قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع نخلا قد أبره فثمرته (للذى باع)، الا أن يشترط المبتاع ثم قال: قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) “. وروى في الكافي عن عقبة بن خالد (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” قال قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان ثمر النخل للذى أبرها الا ان يشترط المبتاع ” وأما الحكم الثاني فلم أقف فيه على دليل الا مفهوم الروايات المتقدمة، ومن ثم ناقش في الحكم بعض الاصحاب، وتوقف آخرون كما يؤذن به كلام المحقق في الشرايع حيث نسب الحكم المذكور إلى فتوى الاصحاب. قال في المسالك: انما نسب القول إلى فتوى الاصحاب، لقصور المستند


(1) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 87 الرقم 12. (2) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 87 وفى الكافي (للبايع). (3) الكافي ج 5 ص 178.


[ 151 ]

النقلي عن افادة الحكم المذكور، فانه انما دل على أن النخل المؤبر ثمرته للبايع، لا على ان مالايؤبر ثمرته للمشترى الا من حيث المفهوم الضعيف، والاصل يقتضى الملك لبايعه، وعدم انتقاله إلى المشترى، إذ العقد انما وقع على الاصول وهى مغايرة للثمرة انتهى وهو جيد. واعترف في المختلف أيضا بضعف الدليل الا أنه قال: لكن الاجماع يعضده، مع أنه نقل عن ابن حمزة أن الاعتبار في دخول الثمرة وعدمه ببدو الصلاح وعدمه، فمتى باعها بعده فالثمرة للبايع، وقبله للمشترى الا مع الشرط، وكانه لم يعتبر خلافه. والظاهر أنه لا خلاف في كون الثمرة للبايع مطلقا فيما لو انتقل النخل بغير البيع، كالميراث ونحوه، وكذا في غير النخل من أفراد الشجر، لان كون الثمرة للمشترى على خلاف الاصل، فيقتصر فيه على موضع النص والوفاق، وهو بيع النخل فلا يتعدى إلى غير البيع، ولا إلى غير النخل من أفراد الشجر. ولو باع المؤبر من النخل وغير المؤبر كان لكل حكمه المتقدم عندهم، وظاهر اطلاقهم أنه لا فرق في ذلك بين كون ذلك في نخلة واحدة قد أبر بعض طلعها دون بعض أو في نخلات متعددة أبر بعضها، ولم يؤبر الباقي، وبه أفتى في الدروس. وفرق العلامة في التذكرة بين النخلة الواحدة، والنخلات المتعددة، فحكم في الاول بكون الجميع للبايع، محتجا عليه بأنه يصدق عليه أن قد باع نخلا قد أبر، فيدخل تحت نص أنه للبايع، وبما في افتراقهما في الحكم من العسر وعدم الضبط، وفي الثاني بتفريق الحكم. وربما احتمل بعضهم هنا وجها ثالثا، وهو دخول الجمع في البيع لصدق عموم التأبير في الجميع. والظاهر الاوفق بظاهر النص هو الاول، فان تعليق


[ 152 ]

الحكم يشعر بالعلية، فيكون التأبير هو العلة، فاينما وجد ترتب عليه حكمه، وينتفى حيثما انتفى.

المطلب الثالث

في التسليم

اطلاق يقتضى تسليم المبيع والثمن، فيجب على المتبايعين دفع العوضين من غير أولوية. قال المحقق الاردبيلي في شرح الارشاد بعد قول المصنف في الكتاب المذكور ” يجب على المتبايعين دفع العوضين من غير أولوية تقديم ” ما لفظه: اعلم ان الاكثر هكذا قالوا، وحاصله أنه انما يجب عليها معا الدفع بعد اخذ العوض، ويجوز لكل المنع حتى يقبض وكانهم نظروا إلى ان البيع معاوضة محضة، ولا يجب على كل منهما الدفع الا لعوض مال الاخر، فما لم يأخذ ذا العوض، لا يجب اعطاء العوض، والمسألة مشكلة كسائرها، لعدم النص، وثبوت الانتقال بالعقد يقتضى وجوب الدفع على كل واحد منهما عند طلب الاخر، وعدم جواز الحبس حتى يقبض حقه، وجواز الاخذ لكل حقه من غير اذن الاخر ان امكن له على أي وجه كان، لا ن ذلك هو مقتضى الملك، ومنع احدهما الاخر وظلمه لا يستلزم جواز الظلم للاخر ومنعة حقه، فيجبرهما الحاكم معا على ذلك ان امتنعا، فيعطى من يد ويأخذ من آخر، أو يقبض لاحدهما ويأمره بالاعطاء انتهى. أقول: ما ذكره (قدس سره) جيد، الا أن في فهم ذلك من العبارة المذكورة ونحوها من عبائرهم في هذا المقام اشكال، وذلك فان غاية ما يفهم من هذه العبارة التى ذكرها في الارشاد هو أنه لما كان اطلاق العقد يقتضى وجوب تسليم المبيع والثمن، فالواجب حينئذ على كل من البايع والمشترى دفع ما وجب عليه تسليمه


[ 153 ]

من غير اولوية تقديم احد هما على الاخر، خلافا للشيخ حيث ذهب إلى أنه يجب على البايع أولا تسليم المبيع، محتجا بأن الثمن تابع للمبيع، والغرض من هذه العبارة انما هو بيان تساويهما في وجوب التسليم، بدون تقديم أحدهما على الاخر كما زعمه الشيخ (رحمة الله عليه) فالكلام انما خرج في معرض الرد عليه، وأين هذا من المعنى الذى ذكره، وهو أنه لا يجب على احدهما التسليم الا بعد دفع الاخر، وأنة يجوز لكل منهما الامتناع حتى يقبض، اللهم الا ان يكون قد اطلع على تصريح بذالك من غير هذا الموضع، والا فهذه العبارة ونحوها لا اشعار فيها، فضلا عن الدلالة بشئ من ذلك.

وتحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على بسطه في مواضع:

الاول- لا يخفى أن القبض من الامور المعتبرة شرعا لما يترتب عليه من الاحكام العديدة بالنسبة إلى الوصية والهبة والرهن، فان للقبض فيها مدخلا باعتبار شرطيته للصحة أو اللزوم، فان وكذا بالنسبة إلى البيع، فمن احكامه فيه انتقال ضمان المبيع إلى المشترى بعده ان لم يكن له خيار، وكونه على البايع قبله، وجواز بيع ما اشتراه بعد القبض مطلقا، وتحريمه أو كراهته قبله على بعض الوجوه، وجواز فسخ البايع مع تأخير الثمن، وعدم قبض المبيع بعد ثلاثة ايام، وغير ذلك، ومع هذا لم يرد له تحديد شرعى يرجع فيه إليه. ومن ثم ان الاصحاب انما رجعوا فيه إلى العرف بناء على قواعدهم في كل ما لم يرد له تحديد شرعى، مع ان الغالب في العرف الاختلاف باعتبار تعدد الاقطار والبلدان، وأن لكل قطر اصطلاحا وعادة غير ما سواه، والمسألة من أجل ذلك في غاية من الاشكال والداء العضال، لعموم البلوى به في جملة من الاحكام كما عرفت. والذى وقفت عليه مم يتعلق بهذا المقام روايتان الاولى صحيحة معاوية،


[ 154 ]

بن وهب (1) ” قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه ؟ فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه الا ان توليه ” قال في المسالك بعد نقل هذه الرواية: فجعل قبض المكيل والموزون كيله أو وزنه بالنسبة إلى جواز بيعه. (2) واعترضه المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد فقال: وهذه لا أفهم دلالتها لان ظاهرها أن البيع قبل القبض لا يجوز حتى يكيل أو يزن، وذلك لا يدل على كون القبض ذلك وهو ظاهر، ولا يدل على ذلك بضم السؤال إذ يصح جواب السائل هل يجوز قبل القبض ؟ بانه لا يجوز بدون الكيل، يعنى لابد من الكيل الذى القبض حصل في ضمنه أي لابد من القبض وشئ آخر، إلى آخر كلامه زيد في مقامه، وبه يظهر سقوط الرواية عن درجة الاستدلال في هذا المجال. والثانية: رواية عقبة بن خالد عنه (عليه السلام) ” في رجل اشترى متاعا من آخر وأوجبه، غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه فسرق المتاع من مال من يكون ؟ قال: من مال صاحب المتاع الذى هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه “.


(1) التهذيب ج 7 ص 35 الرقم 34 وفيه (الا أن يوليه الذى قام عليه). (2) اقول: يمكن أن يؤيد ما ذكره في المسالك وهو المشهور بين الاصحاب من جعل الكيل والوزن قبضا، بان يقال: ان الرواية قد دلت على انه مع التولية لا يحتاج إلى الكيل والوزن، وهذا لايتم الاعلى تقدير كون الكيل والوزن قبضا، فان التولية تصح بدون القبض، واما على تقدير كونها شرطا في صحة البيع، والقبض انما هو عبارة عن النقل والتحويل فكيف يصح البيع تولية مع اختلال أحد شرائط البيع وهو الوزن والكيل هنا. فتأمل. منه رحمه الله. (3) الكافي ج 5 ص 171 التهذيب ج 7 ص 21.


[ 155 ]

وغاية ما يدل عليه هذا الخبر هو أنه يعتبر في انتقال الضمان من البايع إلى المشترى نقل المتاع واخراجه من بيت البايع، وليس فيه تفسير بأنه عبارة عماذا، مع أن ظاهر الخبر أنه يعتبر في انتقال الضمان الاخراج من بيت البايع، ولا قائل به كما ستعرف. بقى الكلام في الدلالة العرفية التى اعتمدوها في المقام. قال في المسالك: والعرف يدل على أن اقباض غير المنقول يتحقق بالتخلية مع رفع يد البايع عنه، وعدم مانع للمشترى من قبضه، وأما في المنقول فلا يتحقق الا باستقلال يد المشترى به، سواء نقله ام لا، وكذا في طرف البايع بالنسبة إلى الثمن، وهذا مطرد في المكيل والموزون وغيرهما، الا انهما خرجا عنه بالنص الصحيح فيبقى الباقي وهو الاقوى. انتهى. (1) وهو جيد الا في استثنائه المكيل والموزون ” بالنص الصحيح “، ولقد عرفت آنفا من أن غاية ما يدل عليه النص هو اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون، لا ان القبض فيهما هو الكيل والوزن، ثم قال: والمراد بالتخلية حيث تعتبر، رفع المانع للمشترى من فبض المبيع ان كان، والاذن له فيه، ولا يختص ذلك بلفظ، بل كل ما دل عليه كاف فيه. وفيه أولا ان ظاهر كلامه المتقدم كون التخلية امرا آخر غير رفع المانع حيث أنه أضافه إلى التخلية، وهنا فسرها به، وثانيا أنه لا وجه لاعتبار


(1) ثم قال في اتمام عبارة المذكورة: لا يقال: قد نقل في التذكرة لاتمام الاستدلال بهذه أن الاجماع عندنا حاصل على منه جواز بيع الطعام قبل القبض، فلو لم يكن الكيل هو القبض المطلوب ويتحقق القبض بدونه، لم يكن لقوله ” حتى يكيل ” معنى لانا نقول على تقدير تحقق الاجماع معناه الجواز بعد القبض مع باقى الشرايط والكيل من جملته، الا أن كيله هو القبض. انتهى. منه رحمه الله.


[ 156 ]

الاذن هنا بعد انتقال المبيع إلى المشترى بالعقد، وكون البايع هنا في حكم الأجنبي فلا وجه لتوقف قبضه على اذنه. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قال في كتاب المصباح المنير: قبضت الشئ قبضا: أخذته. وقال في نهاية الاثيرية: والقبض الاخذ بجميع الكف. أقول: وهذا هو الذى يتبادر في العرف الان، الا أنه في المنقول ظاهر وان تفاوتت افراده في ذلك باعتبار المقبوض، ففى مثل الدراهم والمتاع هو القبض باليد، وفي مثل الحيوان هو نقله، وفي مثل المكيل والموزون هو تحويله بالوزن والكيل أو بدونهما فانه يصدق القبض بمجرد ذلك. وأما في غير المنقول فالظاهر هو الوقوف فيه على ما رسمه الاصحاب. قال في الدروس: والقبض في غير المنقول التخلية بعد اليد، وفي الحيوان نقله، وفي المنقول كيله أو وزنه، أو عده أو نقله، وفي الثوب وضعه في اليد. انتهى وهو ظاهر فيما قلناه الا أن اضافة العد إلى الكيل والوزن خارج عن مورد الرواية التى استندوا إليها في الحكم المذكور على ما عرفت فيها، وهو ايضا خلاف ما هو المشهور من الاقتصار على مورد الخبر المذكور. وقال الشيخ في المبسوط: القبض فيما لا ينقل ويحول هو التخلية، وان كان مما ينقل ويحول، فان كان مثل الدراهم والجوهر وما يتناول باليد، فالقبض هو التناول، وان كان مثل الحيوان كالعبد والبهيمة، فان القبض في البهيمة أن يمشى بها إلى مكان آخر، وفي العبد أن يقيمه إلى مكان آخر، وان كان اشتراه جزافا كان القبض فيه أن ينقله من مكانه، وان اشتراه مكايلة فالقبض فيه أن يكيله، وتبعه ابن البراج وابن حمزة. وقال في المختلف: والاقرب أن المبيع ان كان منقولا فالقبض فيه هو النقل أو الاخذ باليد وان كان مكيلا أو موزونا فقبضه هو ذلك، أي الكيل والوزن، وان لم يكن منقولا فالقبض فيه التخلية. انتهى. وكلام الشيخ راجع


[ 157 ]

في التحقيق إليه، الا في المكيل والموزون، حيث اقتصر في قبضه على الكيل والوزن. وبذلك يظهر ما في عبارة المسالك هنا من الاجمال في تفسير، القبض في المنقول، فانه ربما أوهم رجوعه إلى التخلية في غير المنقول. واكتفى بعضهم بالتخلية مطلقا في منقول أو غير منقول، وهو مذهب المحقق في الشرايع (1). قال في الدروس: ولا بأس به في نقل الضمان لا في زوال التحريم أو الكراهة عن البيع قبل القبض. اقول: لا يخفى ما في هذا التفصيل، فان الجميع مترتب على القبض فان صدق القبض بالتخلية، وجب ترتب احكام القبض على ذلك مما ذكر هنا وما لم يذكر، والا فلا مطلقا.

الثاني قال: في المسالك: لو كان المبيع بيد المشترى قبل الابتياع، فان كان بغير اذن البايع فلابد من تجديد الاذن في تحقق القبض بلا نسبة إلى رفع التحريم أو الكراهة، واما بالنسبة إلى مثل الضمان فيحتمل قويا تحققه بدونه، كما لو قبضه بغير اذن البايع، ويحتمل توقف الامرين على تجديده، لفساد الاول شرعا، فلا يترتب عليه أثر، ولو كان باذنه كالوديعة والعارية لم يفتقر إلى تجديد اذن ولا تخلية. انتهى.


(1) اقول: لا يبعد أن يكون مراد الاصحاب بكون الكيل والوزن قبضا انما هو بمعنى وزنه وكيله، لاجل القبض والنقل، لامن حيث كونه كيلا ووزنا، فانه هو الغالب المتعارف، ولذلك أنه لو قبضه المشترى بالوزن أو الكيل، ثم باعه ممن حضر وزنه وكيله، فانه لا يحتاج إلى اعادة الوزن أو الكيل، وانما يحتاج إلى النقل ليتحقق به القبض، وبالجملة فان القبض انما يتحق بالنقل والتحويل سواء كان في معنى الوزن والكيل اوبد ونهما كما في الصورة المفروضة. منه رحمه الله.


[ 158 ]

وفيه أنه لا دليل على ما ذكره ” قدس سره ” لا من النص ولا من الاعتبار، وعقد البيع قد اقتضى النقل إلى المشترى، والقبض والتسليم إلى المشترى حاصل والفرق بين كون القبض قبل البيع شرعيا أو غير شرعى مع كونه لا دليل عليه لا ثمرة له بعد ما عرفت. ومع كونه غير شرعى قبل البيع لا يمنع من كونه شرعيا بعد البيع والانتقال إليه بالعقد الصحيح. وبالجملة فشروط صحة البيع كلها حاصلة، فلا وجه لما ذكره، وإلى ما ذكرناه هنا يميل كلام المحقق الاردبيلى (قدس سره) حيث قال: لو كان المبيع بيد المشترى، فالظاهر أنه لا يحتاج إلى تجديد القبض والاذن مطلقا، ولا مضى زمان، لوجود القبض الذى هو شرط، والموجب لجواز البيع وغيره، كما قيل ذلك في الهبة المقبوضة، والتفصيل بما إذا كان القبض مشروعا وعدمه فانه لابد حينئذ لرفع التحريم والكراهة، ويحتمل لرفع الضمان ايضا ليس بواضح.

الثالث- الظاهر أن القبض المعتبر من نقل أو تخلية يكفى لا سقاط الضمان، وان كان المبيع مشغولا بأمتعة البايع كالصندوق الذى فيه المتاع والبيت الذى فيه الامتعة، ويكون مكلفا بأن يفرغه، وهو خيرته في المسالك، ونقله بالنسبة إلى الثاني عن التذكرة، احتمل في المسالك توقف القبض على اذن المالك في نقل الامتعة والظاهر ضعفه، لحصول البيع الشرعي بشروطه وعدم ظهور مانعية ما ذكره مع وجوب تفريغه.

الرابع- قال في المسالك لو كان المبيع مكيلا أو موزونا فلا يخلو اما أن يكون قد كيل قبل البيع ووزن أولا، بأن أخبر البايع بكيله أو وزنه، أو باعه قدرا منه معينا من صبرة مشتملة عليه، فان كان الاخير فلا بد في تحقق قبضه من كيله أو وزنه للنص المتقدم، وان كان الاول ففى الافتقار إلى اعتباره ثانيا لاجل القبض أو الاكتفاء بالاعتبار السابق وجهان، من اطلاق توقف الحكم على الكيل والوزن وقد


[ 159 ]

حصلا وقوله (عليه السلام) (1) ” لا تبعه حتى تكيله أو تزنه ” لا يدل على أزيد من حصولهما الشامل لما كان قبل البيع ومن كون الظاهر أن ذلك لا جل القبض لا لاجل صحة البيع، فلابد له من اعتبار جديد بعد العقد، وبه صرح العلامة والشهيد (رحمه الله) وجماعة، وهو الاقوى. ويدل عليه قوله (عليه السلام)، في الخبر السابق ” الا أن توليه ” فان الكيل السابق شرط لصحة البيع، أو ما قام مقامه، فلابد منه في التولية وغيرها، ومقتضى قوله ” الا أن توليه ” انه معها لا يتوقف على كيل أو وزن، ودل ذلك على أنهم لاجل القبض، لا لاجل صحة البيع. وأما الثاني فان اكتفينا بالاعتبار الاول في الاول، كفى الاخبار فيه واختارهما في التذكرة وان لم نكتف بالسابق في الاول لم يكتف بالاخبار في الثاني بطريق أولى. وقد روى محمد بن أبى حمزة (2) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اشترينا طعاما فزعم صاحبه انه كاله، فصدقناه وأخذناه بكيله، فقال: لا باس، فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته منه بغير كيل ؟ قال: لا، أما انت فلا تبعه حتى تكليه ” انتهى. أقول: مرجع البحث هنا ان الكيل والوزن هل وجوبهما في المكيل والموزون من حيث كونهما شرطا في صحة البيع، أو من حيث كونهما قبضا للبيع، يترتب عليهما ما يترتب على القبض الذى هو النقل والاخذ باليد، ونحو ذلك مما تقدم في غير المكيل والموزون. والظاهر من الاخبار المانعة من بيع ما لم يقبض إذا كان مكيلا أو موزونا هو الثاني، بالتقريب الذى ذكره من جواز البيع تولية بدون كيل أو وزن، ولو كان ذلك شرطا في صحة البيع لما جاز ذلك، إذ لا فرق بين التولية وغيرها في اعتبار هذا الشرط.


(1) التهذيب ج 7 ص 35. (2) التهذيب ج 7 ص 37 وفيه محمد بن حمران.


[ 160 ]

ويعضده انه قد وقع التعبير عن الكيل والوزن في هذا المقام بالقبض في جملة من الاخبار. ففى صحيحة منصور بن حازم (1) ” إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه، الا أن توليه ” وفي صحيحة على بن جعفر (2) عن اخيه موسى (عليه السلام) ” انه سأله عن الرجل يشترى الطعام أيصلح بيعه قبل أن يقبضه ؟ قال إذا ربح لم يصلح حتى يقبض وان كان يوليه فلا بأس، وسأله عن الرجل يشترى الطعام أيحل له أن يولى منه قبل أن يقبضه ؟ قال: إذا لم يربح عليه شئ فلا بأس، فان ربح فلا يصلح حتى يقبضه ” ونحوهما غيرهما. وكذا في صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة (3) قد عبر بالكيل والوزن عن لفظ القبض في هذه الروايات. ومثلها رواية ابى بصير (4) قال: ” سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى طعاما ثم باعه قبل أن يكيله ؟ قال: لا يعجبنى أن يبيع كيلا أو وزنا قبل أن يكيله أو يزنه، الا ان يوليه، كما اشتراه ” الحديث. وبالجملة فان استثناء التولية في هذه الاخبار مما ذكرنا وما لم نذكره انما يتجه على تقدير كون الكيل والوزن قبضا، والبيع توليه صحيح مع عدم القبض ولو كان اعتبارهما انما هو من حيث كونها شرطا في صحة البيع لم يتجه صحة التولية هنا كما عرفت.


(1) التهذيب ج 7 ص 35 الفقيه ج 3 ص 129. (2) التهذيب ج 7 ص 36. (3) ص 154 التهذيب ج 7 ص 35. (4) التهذيب ج 7 ص 37.


[ 161 ]

نعم يشكل الحكم بان مقتضى ما ذكر أنه لو اشترى الطعام واكتاله ثم باعه ممن حضر كيله، فان الواجب بمقتضى ما ذكر هو كيله مرة أخرى، ليتحقق به قبض المشترى الثاني وهو الذى قواه، ونقله عن العلامة والشهيد (رحمه الله) مع أن ظاهر الاخبار الواردة هنا هو العدم. ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب عن عبد الملك بن عمرو (1) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أشترى الطعام فأكتاله ومعي من قد شهد الكيل وانما اكتلته لنفسي، فيقول: بعنيه فأبيعه اياه بذلك الكيل الذى كلته ؟ قال: لا بأس ” ونحوه ما رواه في الفقيه عن خالد بن الحجاج الكرخي (2) قال: قلت لا ابى عبد الله (عليه السلام): أشترى الطعام من الرجل ثم أبيعه من رجل آخر قبل أن اكتاله، فأقول: ابعث وكيلك حتى يشهد كيله إذا قبضته، قال لا بأس ” ويمكن أن يقال في وجه الجمع بين ظواهر هذه الاخبار انه لما كان الغالب أن الكيل والوزن انما يقعان في حال القبض، وانه بهما يحصل القبض والتحويل من البايع إلى المشترى، صح اطلاق القبض عليهما بهذا الوجه في الاخبار المتقدمة وان كانا شرطا في صحة البيع، واما جواز البيع تولية في تلك الاخبار بدونهما، فلعله مستثنى من القاعدة المذكورة، حيث أن التولية عبارة عن أن يعطيه ما اشتراه برأس ماله، ويجعله محله في ذلك العقد، الا انى لم أجد به قائلا، و المسألة لما عرفت غير خالية من الاشكال ولهذا كثر فيها التردد والاحتمال.

و الخامس- قال في المسالك: ألحق في الدروس المعدود بالمكيل والموزون فاعتبر في قبضه عده بعد البيع، ولم يكتف بعد السابق. وفيه نظر، لعدم النص


(1) الكافي ج 5 ص 179 التهذيب ج 7 ص 38. (2) الفقيه ج 3 ص 131.


[ 162 ]

وتحقق القبض فيه عرفا مع نقل المشترى له كغيره من المنقولات، والحاقه بهما نظرا إلى اشتراط اعتباره في صحة بيعه لا يوجب ذلك عندنا، واكتفى فيه ايضا عن اعتبار المكيل والموزون والمعدود بنقله، والخبر الصحيح حجة عليه وقريب منه مختار العلامة في المختلف، فان اكتفى فيهما بأحد أمور ثلاثة، النقل، والقبض باليد، والاعتبار بالكيل أو الوزن، وفي النقل ما مر، وفى القبض باليد ما دل عليه خبر عقبة بن خالد (1) من اعتبار النقل. ومال في الدروس أيضا إلى أن التخلية كافية مطلقا في نقل الضمان، لا في زوال التحريم أو الكراهة عن البيع قبل القبض، وخبر عقبة حجة عليه ان اعتبره. والتحقيق هنا أن الخبر الصحيح دل على النهى عن بيع المكيل والموزون قبل اعتباره بهما، لا على أن القبض لا يتحقق بدونهما، وكون السؤال فيه وقع عن البيع قبل القبض لا ينافى ذلك، لان الاعتبار بهما قبض وزيادة، وحينئذ فلو قيل: بالاكتفاء في نقل الضمان فيهما بالنقل عملا بمقتضى العرف والخبر الاخر، وبتوقف البيع ثانيا على الكيل والوزن امكن ان لم يكن احداث قول. انتهى كلامه. اقول ما ذكره هنا من التحقيق جيد، وبالقبول حقيق، الا ان فيه أولا ما يدل على رجوعه عما قدمه، سيما في اعتراضه هنا على الدروس بأن الخبر الصحيح حجة عليه، وقد تكرر في كلامه السابق على هذا الكلام المبالغة في دلالة الخبر على أن القبض في المكيل والموزون هو كيله ووزنه، وأنه لا يتحقق القبض بدون ذلك. وثانيا أن ما ذكره من التوقف في القول بالاكتفاء في نقل الضمان في المكيل والموزون بالنقل، لاستلزامه احداث قول في المسألة. فيه أن ذلك مقتضى كلام الشهيد في الدروس والعلامة في المختلف الذى قدمه هنا، حيث إنهما صرحا بان القبض


(1) الكافي ج 5 ص 171.


[ 163 ]

في المكيل والموزون كما يكون بالكيل والوزن، يكون بالنقل أيضا، وأن القبض بالنقل موجب لعدم الضمان، وان اشتراط الكيل والوزن في بيعه ثانيا لازالة التحريم أو الكراهة، فهو ليس باحداث قول في المسألة، كما ذكره.

السادس- قالوا وإذا تلف المبيع قبل تسليمه إلى المشترى كان من مال البايع وكذا ان نقصت قيمته بحدث فيه كان للمشترى رده، وفي الارش تردد. قال في المسالك: موضع التردد ما لو كان العيب من قبل الله تعالى، ومنشاؤه من تعيبه على ملك المشترى لا من قبل أحد، ومن أنه مضمون على البايع بأجمعه، فضمان أجزائه أولى، فالاقوى ان له الارش ان لم يفسخ، ولو كان التعيب من أجنبي أو من البايع تخير المشترى بين الرجوع على المتلف بالارش وبين فسخ العقد، فان فسخ رجع البايع على الأجنبي بالارش. انتهى.

اقول: أما الحكم الاول فقد تقدم الكلام فيه في المقام الثاني في احكام الخيار (1) وبينا ثمة ما فيه من الاشكال، ومستنده عند الاصحاب بعد الاجماع رواية عقبة بن خالد المتقدمة في الموضع الاول. (2) وأما الثاني فلم أقف فيه على نص، وظاهرهم الاتفاق على أنه يتخير بين رد المبيع وأخذ ثمنه، وبين امساكه، وانما الخلاف في صورة اختيار الامساك هل يمسكه بثمنه أو يرجع بالارش على البايع فيما إذا كان العيب من جهة الله تعالى، وقد رجح في المسالك الثاني نظرا إلى أن ضمان الكل يستلزم ضمان البعض بالطريق الاولى. ويمكن خدشه بما صرحوا به في صورة تلف الجميع من انه يبطل البيع، وينتقل المبيع إلى البايع كما قدمنا نقله عنهم في الموضع المتقدم ذكره، بخلاف


(1) ص 77. (2) ص 154.


[ 164 ]

ما هنا، فانه باق على ملك المشترى، ولعل مثل هذا لا يؤثر في الضمان. وبالجملة فان الحكم لما لم يكن منصوصا والفرق بين الكل والبعض ظاهر مما ذكرنا. فالحكم بالارش محل اشكال، سيما مع ما حققناه في الموضع المتقدم ذكره، من ان قضية العقد كون المبيع ملكا للمشترى، وقضية كونه ملكا للمشترى أن تلفه منه وان كان في يد البايع، والاصل عدم الضمان على البايع بعد انتقال المبيع عنه الا بالتفريط ولو بمنعه المالك.

السابع- قد صرحوا بانه إذا حصل للمبيع نماء قبل القبض كالنتاج أو ثمرة النخل أو اللقطة كلقطة العبد التى يمكن تملكها ولو بعد التعريف كان ذلك للمشترى، فان تلف الاصل سقط الثمن عن المشترى ان لم يدفعه، والا استرجعه وله النماء، ولو تلف النماء من غير تفريط لم يلزم البايع دركه. أقول: أما الحكم الاول فجيد لان المبيع بالعقد ينقل إلى ملك المشترى قبضه أو لم يقبضه، فكذا نماؤه، وهكذا الثمن أيضا، فانه بالعقد ينتقل إلى البايع ونماؤه تابع له أيضا. وأما الثاني فهو مبنى على القاعدة المتفق عليها عندهم، وهو أن المبيع قبل القبض مضمون على البايع، وعلى أن التلف انما يبطل البيع من حينه، كما هو المشهور عندهم، فيكون النماء السابق على وقت التلف وما في حكمه كلقطة العبد للمشترى وأما لو قلنا بأنه يبطله من أصله كما تقدم نقله احتمالا عن العلامة فهو للبايع. وأما الثالث. فوجهه ان النماء في يد البايع أمانة لا يضمنها الا مع التفريط اقتصارا فيما خالف الاصل وهو ضمان مال الغير مع عدم العدوان على ما دل عليه الدليل.

الثامن- لو باع جملة فتلف بعضها فظاهر بعض الاصحاب هو التفصيل هنا بأنه ان كان للتالف قسط من الثمن كان المشترى مخيرا بين فسخ العقد، وبين


[ 165 ]

الرضا بالباقي بحصته من الثمن، وان لم يكن له قسط كان المشترى مخيرا بين الرد، أو أخذه بجملة الثمن. قال في المسالك: ضابط الاول ما يمكن افراده بالبيع، كاحد العبدين والقفيزين، والثانى مالا يمكن افراده كيد العبد، والفرق بينهما الموجب لاختلاف الحكم ان الاول لا يبقى مع فواته أصل المبيع بل بعضه، والثاني يبقى معه أصل المبيع، والجزء التالف بمنزلة الوصف كيد العبد ونحوها من اعضائه التى فواتها لا يخل ببقاء العبد. انتهى. ونحوه كلام المحقق الشيخ على (قدس سره) في شرح القواعد، ومقتضى كلام أصحاب هذا القول أنه لا أرش في الصورة الثانية، بل يكون مخيرا بين الرد والاخذ بمجموع القيمة، لان الفائت هنا لا قسط له من الثمن فلا أرش، لان الارش هو مقدار حصته من الثمن. وظاهر جملة من الاصحاب وقيل: انه هو المشهور وهو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك والمحقق الشيخ على في تعليقاته على الشرايع، وفى شرح القواعد هو وجوب الارش في الصورة المذكورة. قالوا: لان القيمة تزيد بوجوده، وتنقص بعدمه، وفواته من أظهر العيوب وأبينها، للقطع بأن المبيع هو المجموع، وقد فات بعضه فيتخير بين الرد لتبعيض الصفقة، والاخذ بالارش، وظاهر كلامه في المسالك (1) ان الامر كذلك في الصورة الاولى أيضا وهو ماله قسط من الثمن ويمكن أفراده بالبيع من أنه يتخير بين الرد لتبعيض الصفقة، والاخذ بالارش، والظاهر أنه ليس الامر كذلك، بل الحكم هنا مع عدم الفسخ انما هو تقسيط الثمن على الجزء الفائت والباقى، وأخذ الباقي بقسطه من الثمن، وظاهر كلام المحقق المتقدم ذكره اختصاص الكلام بالصورة الثانية أيضا، وان الحكم في الصورة الاولى انما هو ما ذكرناه، وبه صرح في الدروس أيضا حيث قال: ولا اشكال في توزيع الثمن على العينين فصاعدا لو تلف بعضها،


(1) حيث قال: بعد ذكر القول الاول الذى اختاره المصنف: والاقوى ثبوت الارش فيه كالاول إلى أن قال: ولان المبيع هو المجموع، وقد فات بعضه فيتحير المشترى بين الرد لتبعيض الصفقة في الموضعين والارش. انتهى منه رحمه الله.


[ 166 ]

وله الفسخ. انتهى، وبالقول أفتى المحقق في الشرايع، وتنظر العلامة في القواعد في ثبوت الارش في الصورة الثانية.

أقول: ومما يؤيد القول الثاني هنا هو أنهم قد صرحوا في باب العيب الموجب للخيار والارش بأنه عبارة عن كل ما خرج عن أصل الخلقة الطبيعية بزيادة عضو أو نقصانه، ومنهم المحقق في الشرايع الذى نفى الارش هنا حيث قال: القول في أقسام العيوب، والضابط أن كلما في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب، والزيادة كالاصبع الزايدة، والنقصان كفوات عضو إلى آخره، وهو ظاهر فيما قلناه، والمسألة المفروضة هنا أحد جزئيات هذه القاعدة، فيكون الحكم فيها هو الارش مع عدم الفسخ، لا الاخذ بالقيمة، كما ذكروه. وبما حققناه في المقام يظهر لك ما في كلام المحقق الاردبيلى (طاب ثراه) هنا حيث قال في أثناء البحث في المسألة المتقدمة في الموضع السادس ما لفظه: والظاهر عدم الفرق بين حدوث عيب ونقص شئ وجزء له قسط من الثمن، مع عدم صحة ايقاع العقد عليه، مثل يد العبد ورجله، وأما فوات الجزء الذى له قسط منه ويصح العقد عليه كموت عبد من عبدين، فالظاهر أنه يبطل في الميت، فيسقط ويسترد قيمته، مثل ما قيل في أمثاله، وفى الاخر يثبت الخيار للمشترى بين الفسخ واخذ الثمن، والرضا به بقيمته من غير شئ، لتبعيض الصفقة. ولعله يفهم عدم الخلاف عندنا من التذكرة، فان فيه أولا أن صحة ايقاع العقد عليه مستقلا وعدم الصحة انما جعل ضابطا لما له قسط من الثمن، وما ليس له قسط، فكلما له قسط من الثمن يصح ايقاع العقد عليه مستقلا، كأحد العبدين، وما لم يكن كذلك كيد العبد لا يصلح ايقاع العقد عليه مستقلا. والضابط الاخر لذلك أيضا هو ما لا يبقى معه أصل المبيع، كالعبد من العبدين، وما يبقى كيد العبد مثلا، فيد العبد لا قسط لها من الثمن على كل من الضابطتين، لانها لاتباع مستقلة، وانه يبقى معها أصل المبيع، وهو قد حكم بأن لها قسطا من الثمن مع عدم صحة ايقاع العقد عليها وهو خروج عن الضابط الاول. وثانيا أن ما ذكره من عدم الخلاف مع ما عرفت من أن القول بالارش قد صرح به جملة منهم، بل هو المشهور كما ذكره بعضهم، وان العلامة في القواعد قد توقف في ذلك.


[ 167 ]

قالوا هذا كله إذا كان الفايت جزا من المبيع، وأما لو كان وصفا محضا، كما لو كان العبد كاتبا فنسي الكتابة قبل القبض، فللمشترى الرد خاصة، أو الامساك بجميع الثمن، لان الفايت ليس جزا للمبيع، ومن ثم لو شرط كونه كاتبا فظهر بخلافه لم يستحق سوى الرد.

التاسع- إذا باع شيئا فغصب من يد البايع، فان أمكن استعادته من الغاصب في زمن يسير، بحيث لا يفوت فيه منفعة مقصودة يستلزم فواتها نقصا معتبرا، أو فوات غرض مقصود للمشترى، فليس للمشترى الفسخ، ويجب على البايع استعادته مع الامكان، لان التسليم واجب عليه، ولا يتم الا بذلك، وان تعذرت استعادته أو أمكنت، لكن بعد مضى زمان يفوت فيه ما ذكرنا من المنافع المقصودة، والاغراض المطلوبة، فان للمشترى الخيار حينئذ بين الفسخ والرجوع إلى ثمنه، وبين الرضا بالبيع وانتظار حصوله، وله الانتفاع بما لا يتوقف على القبض، كعتق العبد ونحوه. ثم ان تلف في يد الغاصب فهو مما تلف قبل القبض، فيبطل البيع ولو مع رضائه بالصبر، ويحتمل أن يكون الرضاء به قبضا، ونحوه ما لو رضى به في يد البايع، ولو امتنع البايع من تسليمه فللمشترى الاجرة إذا سلمه بعد مدة تلزم فيها الاجرة لو كان له أجرة، ويحتمل ان يكون له الفسخ كما في أخذ الغاصب له ظلما، لانه غاصب في هذه الحال. ولو حبسه لنقد الثمن فان ذلك له على ما يظهر من الاصحاب، فلا أجرة له حينئذ، وقد تقدم الكلام في ذلك في صدر هذا المقام، وكل موضع يجوز الحبس والمنع فنفقة المبيع على المشترى، لانه ماله وله نماؤه، وان لم يمكن من قبضه يكون في ضمان البايع.


[ 168 ]

العاشر- اختلف الاصحاب في بيع ما يكال أو يوزن قبل قبضه، فعن الشيخ المفيد أنه يكره ذلك فيما يكال أو يوزن، وليس بمفسد للبيع، ولا مانع من مضيه، ونحوه الشيخ في النهاية، وقال في المبسوط: إذا ابتاع شيئا وأراد بيعه قبل قبضه، فان كان طعاما لم يجز بيعه حتى يقبضه اجماعا، فأما غير الطعام من ساير الاموال فانه يجوز بيعه قبل القبض، ونحوه قال في الخلاف في موضع، يجوز بيع ما عدا الطعام قبل أن يقبض. وقال ابن أبى عقيل: كل من اشترى شيئا مما يكال أو يوزن فباعه قبل أن يقبضه فالبيع باطل، وان كان مما لا يكال أو يوزن فباعه من قبل أن يقبضه فالبيع جايز، والفرق بينهما أن السنة جائت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بابطال بيع الطعام وجميع ما يكال ويوزن قبل القبض، واجازه فيما سوى ذلك، واختار ابن البراج في المهذب قول الشيخ في المبسوط، وفى الكامل قوله في النهاية. وعن ابن حمزة أنه منع من بيع الطعام قبل القبض، سواء كان بيعا أو قرضا، وغير الطعام جوز بيعه قبل القبض على كل حال، الا أن يكون سلفا. قال الصدوق في المقنع: لا يجوز أن يشترى الطعام من بيعه قبل أن يكتاله، وما لم يكن فيه كيل ولا وزن فلا بأس أن يبيعه قبل أن يقبضه، وقال في موضع آخر منه: ولا بأس أن يشترى الرجل النخل والثمار ثم يبيعه قبل أن يقبضه، وروى في حديث ” انه لا بأس أن يشترى الطعام من بيعه قبل أن يقبضه ويوكل المشترى بقبضه “. وقال أبو الصلاح: يصح بيع ما استحق تسليمه قبل أن يقبضه، وينوب قبض الثاني عن الاول وأطلق. والمشهور بين المتأخرين من المحقق والعلامة ومن بعدهما هو القول بالجواز


[ 169 ]

على كراهة، والاخبار في المسألة على غاية من الاختلاف والاضطراب، فلابد من بسطها ونقلها ليظهر ما هو حقيقة الحق منها والصواب، بتوفيق الملك الوهاب، وبركة أهل الذكر الاطياب. فمن الاخبار الدالة على القول بالتحريم ما رواه الصدوق في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) ” قال: إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه، الا أن توليه، فان لم يكن فيه كيل أو وزن فبعه ” قال في الفقيه بعد هذه الرواية: يعني أنه يوكل المشترى بقبضه. وظاهر المحدث الشيخ محمد الحر في الوسائل أن هذه الزيادة من أصل الرواية حيث أدرجها فيها (2) وهكذا نقلها في المختلف أيضا عن الفقيه، والاقرب انها من كلام صاحب الفقيه، كما يظهر من المحدث الكاشانى في الوافى، حيث لم ينقلها في الرواية. وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن الحلبي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” انه قال في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكتال، قال: لا يصلح له ذلك “. وما رواه في التهذيب أيضا بسند آخر في الصحيح عن عبد الرحمان بن أبى عبد الله وأبي صالح عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله، وزاد وقال: ” لاتبعه حتى تكيله “.


(1) الفقيه ج 3 ص 129 التهذيب ج 7 ص 35. (2) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الرقم 1. (3) الكافي ج 5 ص 178 التهذيب ج 7 ص 36. (4) التهذيب ج 7 ص 36.


[ 170 ]

وما رواه في الفقيه والتهذيب في الصحيح عن الحلبي (1) ” قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم اشتروا بزا فاشتركوا فيه جميعا ولم يقتسموه أيصلح لاحد منهم بيع بزه قبل أن يقبضه ؟ قال: لا بأس به، وقال: ان هذا ليس بمنزلة الطعام، لان الطعام يكال “. وما رواه في الفقيه والتهذيب في الصحيح في الكتاب الاول عن منصور (2) قال: ” سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى بيعا ليس فيه كيل ولا وزن، أله أن يبيعه مرابحة قبل أن يقبضه ويأخذ ربحه ؟ فقال: لا بأس بذلك ما لم يكن فيه كيل ولا وزن، فان هو قبضه فهو أبرأ لنفسه “. وما رواه في التهذيب عن معاوية بن وهب (3) ” قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه ؟ فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا يبيعه حتى يكيله أو يزنه، الا أن يوليه بالذى قام عليه “. وعن سماعة في الموثق (4) قال: سألته عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة، وقد كان اشتراها ولم يقبضها قال: لاحتى يقبضها، الا أن يكون معه قوم يشاركهم فيخرجه بعضهم عن نصيبه من شركته بربح، أو يوليه بعضهم فلا بأس “. وروى في التهذيب (5) قال: ” وسأل على بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يشترى الطعام أيصلح بيعه قبل أن يقبضه ؟ قال: إذا ربح لم يصلح حتى يقبض، وان كان يوليه فلا بأس، وسأله عن الرجل يشترى الطعام أيحل له أن يولى منه قبله أن يقبضه ؟ قال، إذا لم يربح عليه شئ فلا بأس، فان ربح فلا يصلح حتى يقبضه “.


(1 و 2) الفقيه ج 3 ص 136 التهذيب ج 7 ص 55 و 56. (3) التهذيب ج 7 ص 35. (4 و 5) التهذيب ج 7 ص 36.


[ 171 ]

وطريق الشيخ في التهذيب إلى على بن جعفر صحيح، فتكون الرواية صحيحة، فما ذكره في المسالك من أن الشيخ. ذكرها في التهذيب بغير اسناد وجعلها بذلك ضعيفة، غفلة مما ذكرناه. ورواه على بن جعفر في كتابه ورواه الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن على بن جعفر (1) مثله. وعن أبي بصير (2) قال: ” سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى طعاما ثم باعه قبل أن يكيله ؟ قال: لا يعجبنى أن يبيعه كيلا أو وزنا قبل أن يكيله أو يزنه، الا أن يوليه كما اشتراه، فلا بأس أن يوليه كما اشتراه إذا لم يربح فيه أو يضع، وما كان من شئ عنده ليس بكيل ولاوزن فلا باس ان يبيعه قبل أن يقبضه “. أقول: وهذه الاخبار كلها كما ترى ظاهرة الدلالة على القول المذكور، ومقتضاها تصريحا في بعض وتلويحا في آخر عموم الحكم للمكيل والموزن، لا بخصوص الطعام. ويؤيدها أيضا ما رواه في الكافي عن على بن أبى حمزة عن أبى جعفر (عليه السلام) ” قال: سألته عن الرجل يشترى متاعا ليس فيه كيل ولا وزن أيبيعه قبل أن يقبضه ؟ قال: لا بأس “. وجملة من هذه الاخبار قد دلت على النهى الذى هو حقيقة في التحريم،


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الرقم 9. (2) التهذيب ج 7 ص 37 الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الرقم 16. (3) الكافي ج 5 ص 200 الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الرقم 8.


[ 172 ]

كصحيحة منصور بن حازم (1) وصحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله وابى صالح (2) وصحيحة معوية بن وهب (3) وموثقة سماعة (4). وما عدا هذه الاخبار فانها وان لم تكن مثلها في الصراحة، الا أنها بمعونة هذه الاخبار ظاهرة تمام الظهور ؟ خصوصا لفظ لا يصلح، فان ذكر هذه الالفاظ في ضمن هذا السياق الذى سيقت عليه الاخبار الناهية الصريحة في التحريم قرينة ظاهرة على أن المراد بها ما أريد بالنهي في تلك الاخبار التحريم، وان كانت في حد ذاتها أعم من ذلك، كما لا يخفى على المنصف المتدرب. ثم انه لا يخفى أن جملة من هذه الاخبار قد دلت على استثناء التولية فيجوز البيع قبل القبض في هذه الصورة، وفى بعضها تخصيص المنع بالربح، فيفهم منه الجواز مع المواضعة، الا أن عجز صحيحة على بن جعفر صريح في المنع مع المواضعة ايضا، وحينئذ فيحمل ما دل على ذكر الربح على مجرد التمثيل دون التخصيص، فيختص الجواز بالتولية خاصة، كما هو مفاد اكثر الاخبار، ويجب حمل الاخبار الدالة على النهى مطلقا على غير التولية جمعا. استدل القائلون بالجواز ومنهم المحقق الاردبيلى، فانه قد أطال في ذلك، ونحن ننقل كلامه ملخصا، فانه قد بالغ في نصرة القول المشهور بين المتأخرين بجده وجهده، فاستدل بعموم القرآن والاخبار الدالة على جواز البيع، والاصل، وبأن الناس مسلطون على اموالهم، وحصول التراضي مع عدم المانع عقلا، وعدم الخروج عن قانون وقاعدة. وصحيحة منصور بن حازم (5) عن ابي عبد الله (عليه السلام) ” في رجل أمر


[ 173 ]

رجلا يشترى له متاعا فيشتريه منه ؟ قال: لا بأس بذلك، انما البيع بعد ما يشتريه “. وصحيحة محمد بن سلم (1) عن ابى جعفر (عليه السلام) ” قال: سألته عن رجل أتاه رجل فقال: ابتع لى متاعا لعلى أشتريته منك بنقد أو نسية فابتعاعه الرجل من أجله قال: ليس به بأس، انما يشتريه منه بعدما يملكه ” فان قوله بعد التملك، وبعد الشراء كالصريح في الجواز قبل القبض مطلقا، فافهم. ويدل عليه أيضا صحيحة محمد الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام). ” قال: سألته عن الرجل يشتر الثمرة ثم يبيعها قبل ان يأخذها ؟ قال: لا بأس به ان وجد ربحا فليبيع “. وصحيحة محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) ” انه قال في رجل اشترى الثمرة ثم يبيعها قبل أن يقبضها قال: لا بأس “. ولا يخفى أن الثمرة مكيل، بل طعام على بعض الاطلاقات، والاول صريح في الجواز مع ارادة المرابحة، فيحمل ما يدل على عدم جوازها على شدة الكراهة للجمع، فتأمل. ويؤيد الجمع رواية أبي بصير قال: ” سألت أبا عبد الله (عليه السلام) اشترى طعاما قبل أن يكليه ؟ قال: ما يعجبنى ” الحديث كما قدمنا نقله. ثم قال: وهذه صريحة في الكراهة مرابحة، وكراهة المكيل والموزون قبل القبض، وعدم البأس في غيرهما. وكذا ما في رواية ابن الحجاج الكرخي (5) قال: ” قلت لابي عبد الله (عليه السلام):


(1) التهذيب ج 7 ص 51. (2 و 3) التهذيب ج 7 ص 89. (4) ص 160. (5) التهذيب ج 7 ص 39 الفقيه ج 3 ص 131.


[ 174 ]

اشترى الطعام إلى أجل مسمى، فيطلبه التجار بعد ما اشتريته قبل أن أقبضه ؟ قال: لا بأس أن تبيع إلى أجل كما اشتريت ” إلى آخره. وكذا رواية جميل بن دراج (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” في الرجل يشترى الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه ؟ قال: لا بأس، ويوكل الرجل المشترى منه بكيله وقبضه ؟ قال: لا بأس “. ويؤيده أيضا أن أكثر أخبار المنع وردت بلفظ لا يصلح، وهو ظاهر في الكراهة وليس بصريحة في التحريم، والتى بغير لفظ لا يصلح ليست أيضا بصريحة في التحريم قبل القبض، مثل رواية معاوية الاتية، لان فيها النهي عن البيع قبل الكيل، ومع الاجمال في قوله ” الا أن توليه، الذى قام عليه “. نعم رواية منصور ظاهرة فيه، ويمكن تأويلها، وبالجملة الادلة التي افادت العلم لا ينبغى الخروج عنها الا بدليل قوى. انتهى ملخصا. أقول: لا يخفى ما فيه على المنصف النبيه من التكلف والخروج عن القواعد المقررة والضوابط المعتبرة، أما ما استدل به أولا من الاصل وعمومات القرآن والاخبار وأن الناس مسلطون على اموالهم، ففيه أن ما دلت عليه الاخبار المذكورة خاص، ومقتضى القاعدة تخصيص تلك العمومات به، والاصل يجب الخروج عنه بالدليل، وهو موجود بالتقريب الذى قدمناه ذيل تلك الاخبار. وبذلك يظهر لك مافى قوله وعدم الخروج من قانون وقاعدة وكيف لا يكون فيما ذهب إليه خروج عن قاعدة، ومورد هذه الاخبار أخص مما استدل به من العمومات، وقاعدة المسألة تقتضي الحكم بالخاص على العام، والمقيد على المطلق.


(1) التهذيب ج 7 ص 36 الكافي ج ص 179.


[ 175 ]

وأما صحيحة منصور بن حازم وصحيحة محمد بن مسلم فالقول فيهما كذلك أيضا، فان المبتاع فيهما مطلق، شامل باطلاقه للمكيل والموزون وغيرهما، والواجب تخصيصهما بما عدا المكيل والموزون، كما أفصحت به صحيحة منصور ابن حازم التى هي أول تلك الاخبار، من قوله (عليه السلام) ” إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن ” إلى آخره، فانها قد فصلت بين المتاع المكيل والموزون وغيرهما، وبه يجب الحكم على اطلاق الخبرين المذكورين. ونحوها صحيحة الاخرى وغيرها، وبه يتأكد ما أوردنا على قوله ” وعدم الخروج عن قانون وقاعدة “. وأما صحيحة محمد الحلبي وصحيحة محمد بن مسلم الواردتان في بيع الثمار فهما ليسا من محل البحث في شئ، حيث أن الظاهر من الاخبار من المكيل والموزون هنا انما هو ما أمكن كيله ووزنه بالفعل، لا بالقوة، قريبة أو بعيدة، والثمرة انما هي من قبيل الثاني، مع أنهما أخص من محل البحث، ومعارضتان بموثقة سماعة المتقدمة. وبذلك يظهر ما في قوله ” ولا يخفى أن الثمرة مكيل ” فانه ان أراد بالفعل فهو ليس كذلك، كما هو ظاهر لكل ناظر، وان أراد بالقوة فهو ليس محل البحث الذى دلت عليه الاخبار. وأما رواية أبى بصير وقوله (عليه السلام) فيها ” ما يعجبنى ” فهو أعم من التحريم والكراهة، وهذا اللفظ يساوق قولهم في مواضع ” ما أحب ” الذى قد وقع استعماله في التحريم في مواضع، وسياق الخبر إلى آخره ظاهر في ذلك. وبذلك يظهر ما في قوله ” وهذه صريحة في الكراهة “، وما أدرى من أين حصلت له هذه الصراحة مع الاجمال في اللفظ المذكور، ودلالة السياق على ما ذكرنا من التحريم، وان سياق هذه الرواية سياق الروايات الصريحة في التحريم بالنهي


[ 176 ]

عن ذلك، فهذا اللفظ هنا مراد به ما دلت عليه تلك الالفاظ الصريحة في النهي. وأما رواية ابن الحجاج الكرخي فهى مع ضعفها وقصورها عن معارضة ما قدمناه من الاخبار مخصوصة بما إذا اشترى الطعام بثمن مؤجل، وأراد بيعه مرابحة بثمن مؤجل، حيث أنه لا يصح نقدا لان الاجل له قسط من الثمن، فموردها أخص من محل البحث، فلا تنهض حجة على تمام المدعى. وأما رواية جميل فهى ظاهرة فيما ادعا، لكنها لا تبلغ قوة المعارضة لما قدمناه من الاخبار. وكيف كان فانه قد ظهر بما قررناه أنه ليس في الاخبار ما يدل على هذا القول المشهور بينهم الا رواية جميل المذكورة على ما هي عليه من الضعف، والا فقد عرفت حال ما عداها، وبذلك يظهر ما في قوله ” وبالجملة الادلة التي أفادت العلم لا ينبغى الخروج عنها الا بدليل قوى ” فانه مجرد دعوى خالية من الدليل، بعد ما عرفت من احوال ادلته هي من هذا القبيل. ثم أنه قال (قدس سره): ثم انه يمكن حمل أخبار المنع مع ما عرفت فيها من عدم التصريح بالنهي والتحريم، وامكان التأويل للجمع المذكور على عدم وقوع الكيل والوزن في الشراء الاول، وهى ليست بصريحة في وجودها إلى آخر كلامه. أقول: انظر إلى هذا الكلام المنحل الزمام، والمختل النظام، الذى هو من أضعف الاوهام، أما أولا فمن حيث انكاره النهى عن ذلك، وقد عرفت الاخبار الصحيحة الصريحة في النهى الذى هو حقيقة في التحريم. وأما ثانيا فمن حيث حمله للاخبار النهى على عدم وقوع الكيل والوزن في الشراء الاول، مع أن هذا هو موضوع المسألة، ومحل الخلاف الذى اختلف


[ 177 ]

فيه الاقوال والاخبار، لان موضوع المسأله انه هل يجوز بيع المكيل والموزون ثانيا قبل قبضه من البايع الاول أم لا ؟ والقبض في المكيل والموزون هو كيله ووزنه لاجل القبض، كما عرفت. والروايات بعضها بلفظ عدم القبض، وبعضها بلفظ الكيل والوزن، والمرجع إلى أمر واحد. ورواية جميل التى اعتمدها دليلا على الجواز، صريحة في جواز بيعه قبل قبضه، وأن يوكل المشترى الثاني في القبض عنه، ليقبض وكالة عنه، ويقبض لنفسه، فهو وكيل في القبض والاقباض، وهو صريح في جواز البيع قبل الكيل والوزن. وبالجملة فان كلام هذا المحقق هنا لا يخلو عن غفلة واستعجال، وعدم تأمل فيما سطره من المقال، لظهور ما فيه من الاختلال، هذا والعجب أن من قواعد أصحاب هذا الاصطلاح الدوران مدار الاخبار الصحيحة الاسانيد، والعمل بها، وطرح ما عارضها، وانهم لا يجمعون بين الاخبار الا بعد التساوى في الصحة، والا فنراهم يطرحون الضعيف من البين، ولم أقف على من وقف على هذه القاعدة هنا الا قليل منهم. قال في المسالك بعد أن نقل الاستدلال على الجواز بخبرى جميل وابن الحجاج الكرخي، وعلى العدم بصحاح الحلبي ومنصور بن حازم ومعاوية بن وهب، ونقل عنهم الجمع بين الاخبار، بحمل اخبار المنع على الكراهة ما لفظه: وهذا الجمع انما يتم لو كانت الاخبار متكافئة في وجوب العمل بها، لكن الامر هنا ليس كذلك، لان اخبار المنع صحيحة متظافرة، وخبر التسويغ في طريق أولهما على بن حديد وهو ضعيف، والاخر مجهول، فالقول بالمنع أوضح، وهو خيرة العلامة في التذكرة والارشاد، والشيخ في المبسوط، بل ادعى عليه الاجماع جماعة من الاصحاب انتهى. وهو جيد هذا مع ما عرفت في غير موضع مما تقدم ما في الجمع بين الاخبار بالكراهة والاستحباب كما هو القاعدة المطردة عندهم في جميع الابواب من عدم الدليل على ذلك، من سنة ولا كتاب، بل عدم الاستقامة في حد ذاته، كما لا يخفى


[ 178 ]

على المنصف من أولى الالباب، لان الاستحباب والكراهة حكمان شرعيان يتوقفان على الدليل الواضح، ومجرد اختلاف الاخبار ليس بدليل على ذلك. وأيضا فان الاصل في الامر الوجوب، وفى النهى التحريم، كما حققه المحققون في الاصول، وعليه دلت الايات والروايات كما سلف تحقيقه في المقدمات (1) من أول كتاب الطهارة وحملهما على غير ذلك مجاز يتوقف على القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز. وأنت إذا تدبرت في أخبار المسألة نفيا واثباتا ظهر لك ان الحكم بالتحريم كان شايعا في الصدر الاول بين أصحاب الائمة (عليهم السلام) كما يشير إليه رواية على بن أبى حمزة، وصحيحة الحلبي المشتملة على شراء البر، وصحيحة منصور الثانية، فانها تشعر بتوهم سريان التحريم إلى غير المكيل والموزون، فحصل السؤال عنه وهو يشعر بشهرة الحكم بالتحريم في الموزون والمكيل حتى توهم الحاق غيرهما بهما، كما لا يخفى (2). وبالجملة فالظاهر عندي هو القول بالتحريم الا في صورة التولية، كما نصت عليه الاخبار المتقدمة، وارتكاب التأويل في خبرى ابن الحجاج، وجميل المذكورين أن أمكن، والا فالرد إلى قائلهما.

فوائد:

الاولى- لو باع على تقدير القول بالتحريم مطلقا أو في غير التولية، هل يقع البيع باطلا، أو يصح وان أثم وصرح بالاول ابن ابى عقيل في عبارته المتقدمة في صدر المسألة، وبالثانى قطع العلامة في المختلف. فقال: ولو قلنا بالتحريم لم يلزم بطلان البيع، ولم يتعرض إلى دليل في المقام، وكانه مبني على ما اشتهر عندهم من أن النهى في المعاملات لا يقتضى الفساد، انما ذلك في العبادات، والحق


(1) ص ج 1 ص 112. (2) أقول ملخص الاقوال هنا ثلاثة، الجواز مطلقا، والمنع مطلقا، والتفصيل بين التولية وغيرها فيجوز فيها ويحرم في غيرها. منه رحمه الله.


[ 179 ]

في ذلك هو التفصيل الذي قدمنا ذكره في كتاب الصلاة (1) وتقدمت الاشارة إليه ايضا قريبا من أنه ان كان النهى في المعاملات من حيث عدم صلاحية المعقود عليه للدخول تحت العقد، فالاظهر بطلان العقد، وان كان بسبب أمر خارج فالاظهر الصحة، والظاهر أن ماهنا من قبيل الاول، وهو اختياره في المسالك أيضا قال: ويؤيده أن النهى هنا راجع إلى نفس البيع، فيبطل كبيع المجهول ونحوه، ولتعلق النهى فيه بمصلحة لا تتم الا بابطاله.

الثانية- اكثر الاصحاب جعلوا محل الخلاف هو الطعام، والظاهر من الاخبار المقدمة بالنظر إلى حمل مطلقها على مقيدها وعامها على خاصها هو المكيل والموزون مطلقا، وسياق جملة من الاخبار المتقدمة ظاهر في ذلك أوضح الظهور، وذكر الطعام في بعض انما خرج مخرج التمثيل، لانه اشهر افراد المكيل والموزن وأكثرها دورانا في المعاملات. ثم انه على تقدير الاختصاص بالطعام فهل المراد به كلما أعد للاكل كما هو موضوعه لغة أو يختص بالحنطة والشعير لانه معناه شرعا ؟ كما نبهوا عليه في موارد، منها حل طعام اهل الكتاب قولان: وبالثانى صرح فخر المحققين في بعض فوائده على ما نقلوه عنه، وفى دعوى اختصاص طعام أهل الكتاب بالحنطة والشعير نظر، إذ الظاهر من الاخبار الشمول لجيمع الافراد الموزونة من الحبوب مثل العدس والذرة ونحو ذلك.

الثالثة: لو ملك ما يريد بيعه بغير بيع جاز وان لم يقبضه، كالميراث والصداق للمرأة والخلع ونحوها. قال في المسالك: المنع على القول به مشروط بأمرين انتقاله بالبيع، ونقله به، فلو انتقل بغيره أو نقله بغيره لم يحرم، أما الاول فلا نعلم فيه خلافا، واما


(1) ج 7 ص 105.


[ 180 ]

الثاني فهو المشهور، غير أن الشيخ الحق به الاجارة، محتجا بأنه ضرب من البيوع، وهو ممنوع، وكذلك منع من الكتابة، بناء على أنها بيع العبد من نفسه، وهو مع تسليمه لا يستلزم المنع، لان العبد ليس مما يكال أو يوزن، وغاية المنع عندنا أن يكون المبيع مقدرا بهما. انتهى. ثم انه على تقدير الجواز في الميراث ونحوه مما تقدم، قد استثنى بعضهم من ذلك صورا منها ما إذا اشترى الميت قبل الموت مكيلا أو موزونا ولم يقبضه، فانه لا يجوز للوارث بيعه قبل قبضه، ورد بأن انتقاله إلى الوارث بالارث واسطة بين البيعين. ومنها في الصداق إذا اشترى المصدق الصداق مثلا ولم يقبضه، وأصدقه المرأة قبل القبض، وأرادت المرأة بيعه والحال كذلك، وأجيب عنه بما أجيب عن سابقه، فان اصداقه للمرأه واسطة بين البيعين، وهكذا القول في عوض الخلع إذا اشترته المرأة ولم تقبضه، ثم جعلته عوضا للخلع، وأراد الزوج بيعه والحال كذلك، فان جعله عوضا للخلع واسطة بين البيعين أيضا، فالاستثناء غير واضح لثبوت الواسطة في الجميع.

الحادى عشر- المشهور أنه لو كان له على غيره طعام من سلم، وعليه مثل ذلك، فأمر غريمه أن يكتال لنفسه من الاخر، فان قلنا بتحريم بيع ما لم يقبض حرم هنا أيضا، وان قلنا: بالكراهة اكره هنا أيضا، ذكر ذلك الشيخ في الخلاف والمبسوط، وتبعه الجماعة لان المحتال قبض المحال عوضا عن ماله قبل أن يقبضه صاحبه، فيكون من قبيل بيع ما لم يقبض، وقيل: بأن هذا ليس من تلك المسألة في شيئ، لما عرفت من أن المنع من بيع ما لم يقبض تحريما أو كراهة مشروط بشرطين، انتقاله بالبيع، ونقله به، وما ذكر في هذا الفرض وان كان تبعا من حيث أن السلم فرد من افراده، الا ان الواقع من السلم اما حوالة لغريمه من القبض، أو وكالة له فيه، وكل منهما ليس ببيع، ودعوى أن الحوالة ملحقة بالبيع في حيز المنع.


[ 181 ]

أقول: ويؤيد هذا القول ما رواه المشايح الثلاثة (عطرالله مراقدهم) في الصحيح في بعض والموثق في اخرى عن عبد الرحمان بن أبى عبد الله (1) ” قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه كرمن طعام فاشترى كرا من رجل آخر، فقال: للرجل انطلق فاستوف كرك فقال: لا بأس به ” وهو ظاهر في المراد عار عن وصمة الايراد. وبه يظهر قوة القول المذكور. مضافا إلى ما تقدم من ان الواقع هنا انما هو حوالة لا بيع. وأجاب الشهيد في بعض تحقيقاته عن ذلك بأمر مورد السلم لما كان ماهية كلية ثابتة في الذمة منطبقة على افراد لا نهاية لها، فاى فرد عينه المسلم إليه، تشخص بذلك الفرد، وانصب العقد عليه، فكأنه لما قال للغريم: اكتل من غريمي فلان قد جعل عقد السلم معه واردا على ما في ذمة غريمه المستسلف منه، ولما يقبضه بعد، ولا ريب أنه مملوك له بالبيع، فإذا جعل مورد السلم الذى هو بيع يكون بيعا للطعام قبل قبضه، فيتحقق الشرطان، ويلتحق بالباب، قال: وهذا من لطايف الفقه. قال في المسالك بعد نقل ذلك: وهذ التحقيق غاية ما يقال هنا في توجيه كلام الشيخ ومن تبعه، الا انه مع ذلك لا يخلو من نظر لان مورد السلم ونظايره من الحقوق الثابتة في الذمة لما كان أمرا كليا، كان المبيع المتحقق به هو الامر الكلى، وما يتعين لذلك من الاعيان الشخصية بالحوالة وغيرها ليس هو نفس المبيع، وان كان الامر الكلى انما يتحقق في ضمن الافراد الخاصة فانها ليست عينه، ومن ثم لو ظهر المدفوع مستحقا أو معيبا رجع الحق إلى الذمة، والمبيع المعين ليس كذلك، ونظير ذلك ما حققه الاصوليون من أن الأمر بالكلى ليس أمرا بشئ من جزئياته الخاصة وان كان لا يتحقق الا بها.


(1) الكافي ج 5 ص 179 التهذيب ج 7 ص 37 الفقيه ج 3 ص 129.


[ 182 ]

وحينئذ فانصباب العقد على ما قبض، وكونه حينئذ بيعا غير واضح، فالقول بالتحريم عند القائل به في غيره غير متوجه، نعم لا بأس حينئذ بالكراهة خروجا من خلاف الشيخ والجماعة وتحرزا عما هو مظنة التحريم انتهى وهو جيد.

الثاني عشر- لو كان له على غيره طعام من سلم، فدفع إليه مالا وقال اشتر به به طعاما، فان قال: اقبضه لى ثم اقبضه لنفسك، بمعنى أنه وكله في القبض والاقباض قالوا: صح الشراء خاصة، دون القبض والاقباض، لانه لا يجوز أن يتولى طرفي العقد، ذكره الشيخ وتبعه جملة ممن تأخر عنه وتردد في الشرايع. قال الشيخ: لانه لا يجوز أن يكون وكيلا لغيره في قبض حق نفسه من نفسه، وجملة من المتأخرين قد صرحوا بالجواز، لان الاصل ذلك، ولانه وكله في الاقباض، والمغايرة الاعتبارية في القابض والمقبوض منه كافية، ومثله تولى طرفي العقد.

 

أقول: وقد تقدم الكلام في مسألة تولى الواحد طرفي العقد في الموضع الخامس من المسألة الخامسة من المقام الاول من الفصل الاول في البيع (1) قالوا: ولو قال: اشتر لك لم يصح الشراء، ولا يتعين له بالقبض، وعلل بأن مال الغير يمتنع شراء شئ به لنفسه مادام على ملك الغير، وهذا هو الفارق بين هذه وسابقها، حيث حكم بصحة الشراء ثمة، ونقل عن الشيخ في الخلاف جواز ذلك هنا، وجعله قبضا للطعام بجنس الدراهم أو قبضا للدراهم، ورد بعدم وجود دليل يدل على ما ادعاه. نعم لو علم من الدافع ارادة أحد الامرين وقبل القابض صح ذلك. أقول: والذى وقفت عليه في هذا المقام روايات، منها ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” قال: سألته عن رجل


(1) ج 18 ص 416. (2) الكافي ج 5 ص 185 التهذيب ج 7 ص 29 الفقيه ج 3 ص 164.


[ 183 ]

أسلفته دراهم في طعام فلما حل طعامي عليه بعث إلى بدراهم فقال: اشتر لنفسك طعاما واستوف حقك ؟ قال: أرى أن يولي ذلك غيرك، وتقوم معه حتى تقبض الذى لك، ولا تتولى انت شراءه ” وما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن عبد الرحمان بن أبى عبد الله (1) قال: ” سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلف دراهم في طعام فحل الذى له فأرسل إليه بدراهم فقال: اشتر طعاما واستوف حقك هل ترى به بأسا ؟ قال: يكون معه غيره يوفيه ذلك “. وما رواه في التهذيب في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (2) قال: ” سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الاخر أحمال رطب أو تمر، فيبعث إليه بدنانير فيقول: اشتر بهذه واستوف منه الذى لك ؟ قال: لا باس إذا ائتمنه “. أقول: الظاهر من هذه الاخبار بعد ضم بعضها إلى بعض هو أن النهى عن الشراء في الخبرين الاولين انما هو لخوف التهمة، كما أفصح به الخبر الثالث، وحينئذ فيجوز له الشراء متى أمن التهمة، وعلى ذلك تكون الاخبار ظاهرة في جواز الشراء والقبض والاقباض، وبه يظهر عدم الالتفات إلى ما ذكره من التوجيهات الركيكة، الامر في ذلك في الاخبار سيما في باب البيوع والطهارات والنجاسات ونحوها أوسع من ذلك، كما لا يخفى على من مارسها، وتأملها،. ومن الظاهر أن قوله: اشتر لنفسك طعاما كما في الخبر الاول، مثل قولهم ” اشتر لك ” الذى حكموا فيه بعدم صحة الشراء، ” واستوف حقك ” في جميع هذه الاخبار كناية عن الاقباض، فهو وكيل من جهة صاحب الدراهم في الاشتراء، والقبض والاقباض، وقوله ” اشتر لك، أو اشتر لنفسك ” انما هو عبارة عن توكيله في الشراء بتلك الدراهم، فلا معنى لقولهم انه يمتنع شراء شيئ به لنفسه ما دام


(1) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 30. (2) التهذيب ج 7 ص 42 في ذيل حديث مع اختلاف يسير.


[ 184 ]

على ملك الغير، وبالجملة فان الامر في هذا الباب أوسع مما ذكره. والمحدث الكاشانى في الوافى قد حمل النهى في الخبرين الاولين على غير البصير بالمسألة الفقهية في هذا المجال، فان دفع الدراهم في هذه الصورة أعنى وقت حلول مال السلم وعدم وجوده عند المسلم إليه قد يكون لفسخ البيع، لعدم وجوده، فلا يستحق أزيد من رأس ماله، وقد يكون لتوكيل صاحب الطلب في شرائه وقبضه واقباضه، فيصح مع الزيادة، وما ذكره (قدس سره) جيد في غير هذين الخبرين من أخبار الباب الذى عقده لذلك. والوجه في المنع في هذه الاخبار التى ذكرناها انما هو ما قدمناه من خوف التهمة، كما صرح به في الخبر الثالث، ويؤيده أن هذين الخبرين لم يتعرض فيهما لجواز الزيادة وعدمها، وقد حققنا ذلك في حواشينا على الكتاب المذكور والله العالم.

الثالث عشر- قالوا إذا قبض المشترى المبيع ثم ادعى نقصانه، فان لم يكن حضر كيله ولاوزنه، فالقول قوله، وان كان حضر فالقول قول البايع، قيل: وانما كان القول قول البايع في الثانية مع أن الاصل عدم وصول حق المشترى إليه في الصورتين، عملا بالظاهر، من أن صاحب الحق إذا حضر لاستيفاء حقه يحتاط لنفسه، ويعتبره مقدار حقه، فيكون هذا الظاهر مرجحا لقول البايع ومقويا لجانبه، ومعارضا للاصل، فيقدم قوله يمينه، وهذه مما وجح فيها الظاهر على الاصل وهو قليل. انتهى. أقول: الظاهر من العبارة الاولى التى قدمنا نقلها عنهم أن حضور الكيل والوزن في هذا المقام أعم من أن يكون الكيل والوزن لذلك المشترى، أو للبايع فانه قد تقدم في جملة من الاخبار وبه صرحوا ايضا أنه يجوز الشراء بالكيل والوزن الذى اخذ به البايع إذا حضر المشترى الثاني ذلك، والتعليل الذى ذكره هذا


[ 185 ]

القائل انما يتم على تقدير الصورة الاولى، دون الثانية، فان المشترى الثاني حال الكيل والوزن للبايع هو المشترى الاول لا يصدق عليه انه حضر لاستيفاء حقه، وأنه يحتاط لنفسه، بل الحق في تلك الحال انما هو حضر لغيره وان كان هو من جملة الحاضرين، وأنه بعد ذلك الكيل والوزن قد اخذه به واعتمد عليه. وبالجملة فان التعليل المذكور لايتم في احدى الصورتين المذكورتين، وتخصيص العبارة الاولى بهذه الصورة يحتاج إلى ما يدل عليه، وظاهرها انما هو العموم كما قدمناه، وبه لايتم الدليل المذكور كليا، ثم انه على تقدير التخصيص بهذه الصورة فان التعليل المذكور لا يخلو أيضا من شئ، فانه بمقتضى ما ذكره أنه قد تعارض الاصل والظاهر، ان الاصل مرجح لجانب المشترى، والظاهر مرجح لجانب البايع، ومقتضى تعارضهما تساقطهما، والتوقف في ذلك الا مع وجود المرحج لاحدهما، وهو لم يذكر هنا مرجحا للظاهر يوجب تقديمه على الاصل، اللهم الا أن يراد أن الظاهر رافع لحكم الاصل، كالخبر الدال على خلاف مقتضى الاصل، فانه يجب الخروج به عن مقتضى الاصل، والمراد بالتعارض هنا انما هو ذلك، والظاهر أنه هو المراد في أمثال هذا المقام. وفيه مع ذلك جواز الغفلة والسهو من ذلك المشترى، أو الاعتماد على كيل البايع ووزنه، فلا يمكن الخروج به عن الاصل المذكور، وبالجملة المسألة لخلوها من النص لا يخلو من التوقف والاشكال والله العالم.

الرابع عشر- لو كان في ذمته طعام، وأراده منه أو قيمته في بلد اخرى غير البلد التى استقر الطعام فيها بذمته فهو لا يخلو عن ثلاثة شقوق، الاول أن يكون الطعام سلفا قالوا: إذا أسلفه في طعام بالعراق مثلا، ثم طالبه بالشام لم يجب عليه دفعه، لان مال السلم يتعين دفعه عند الاطلاق في بلده، وفى موضع التعيين ان عين الموضع، فدفعه في غير بلد يتعين دفعه فيه غير واجب، سواء كانت فيمته وقت المطالبة مخالفة لقيمته في بلد التسليم أم مساوية، قالوا: وهذا لا شبهة فيه. أقول لم أقف على دليل يدل على ما ادعوة هنا من أنه مع الاطلاق يتعين


[ 186 ]

التسليم في بلده، فان وجد الدليل تم ما رتبوه على ذلك، والا فلا، فليتأمل. قالوا ولو طالبه في ذلك البلد الاخر بالقيمة ورضى المسلم إليه بالدفع، قيل لم يجز، لانه بيع الطعام على من هو عليه قبل قبضه، بناء على القول بالتحريم في تلك المسألة، أو يكره بناء على القول بالكراهة ثمة. وقيل: والظاهر أنه المشهور بين المتأخرين بالجواز من غير تحريم ولا كراهة لان ذلك ليس بيعا، وانما هو استيفاء للحق، غايته أنه بغير جنسه، مثل هذا لا يسمى بيعا، فلا يحرم. وربما قيل: بكراهته، خروجا من خلاف الشيخ القائل بالتحريم وتخلصا من عرضة التحريم. هذا كله إذا رضى المسلم إليه بالدفع. أما لو لم يرض فهل يجبر على ذلك ؟ بناء على الجواز في الاول، المشهور العدم، لان الواجب في ذمته هو الطعام لا القيمة وما في ذمته لا يجب دفعه في البلد المذكور، فأولى أن لا يجب عليه دفع ما لم تجر عليه المعاوضة، ولم يقتضيه عقد السلم. وذهب بعض الاصحاب ومنهم العلامة في التذكرة إلى وجوب دفع القيمة حينئذ، مستندا إلى أن الطعام الذى يلزمه دفعه معدوم، فكان كما لو عدم الطعام في بلد يلزمه التسليم فيه ورد بأن فيه منعا ظاهرا، إذ ليس ثمة طعام يلزم دفعه حتى ينتقل إلى القيمة. اقول: ومما يدل على ما هو المشهور من جواز أخذه الثمن متى وقع الرضا من الطرفين بذلك ما رواه في الكافي والتهذيب عن أبان (1) عن بعض اصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى أجل، فيحل


(1) الكافي ج 5 ص 185 التهذيب ج 7 ص 30.


[ 187 ]

الطعام، فيقول: ليس عندي طعام، ولكن انظر ما قيمته فخذ منى ثمنه قال: لا بأس بذلك “. وعن ابن فضال (1) قال: كتبت إلى أبى الحسن (عليه السلام): الرجل يسلفني في الطعام، فيجئ الوقت وليس عندي طعام اعطيه بقيمته دراهم ؟ قال: نعم ” وما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن العيص بن القاسم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أسلف رجلا دراهم بحنطة، حتى إذا حضر الاجل لم يكن عنده طعام، ووجد عنده دوابا ورقيقا ومتاعا، أيحل أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه ؟ ” قال: نعم، يسمى كذا وكذا بكذا وكذا صاعا “. وبذلك يظهر لك ضعف ما ذهب إليه الشيخ وأتباعه من عدم جواز أخذ القيمة للعلة التى ذكرها، والظاهر أن الوجه في الجواز هو ما ذكروه، من أن ذلك استيفاء لحقه، لا بيع ليلزم ما ذكر، ولا ينافى ذلك قوله في الرواية الثالثة ” يسمى كذا وكذا بكذا وكذا صاعا ” فان المراد منه أنه حيث كانت القيمة عروضا لا دراهم فلابد من تشخيصها في مقابلة الطلب الذى له، ليحصل بذلك استيفاء حقه. وأما ما ذكروه من عدم جبره لو طلب صاحب السلم القيمة، لان الواجب في ذمته هو الطعام لا القيمة فهو جيد ان تم ما ذكروه من عدم وجوب التسليم مع الاطلاق الا في بلد السلم، الا أنك قد عرفت أنا لم نقف له على دليل. وما يؤيد مذهب العلامة في التذكرة هنا لزوم الضرر بصاحب الحق، فان توقف ايصال حقه على الوصول إلى بلد السلم مع أنه ربما لا يتيسر له الرجوع إليها أو يتعذر عليه ذلك موجب لما ذكرناه، فإذا لم يجب على من عليه السلام دفع مال السلم لتوقفه على الوصول إلى تلك البلد التى وقع السلم فيها، ولم يجب عليه دفع قيمته، والحال أن رجوع صاحب الطلب إلى تلك البلد غير ممكن فالازم


(1) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 30. (2) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 31 الفقيه ص 165.


[ 188 ]

فوات حقه، وهو عين الضرر. اللهم الا أن يقال بالجوار في هذه الصورة من حيث دفع الضرر، وأن هذه خارجة عن محل البحث، والخلاف انما هو فيما إذا لم يكن كذلك، فيتم ما ذكروه على ما عرفت فيه.

الثاني- لو كان الطعام قرضا قالوا: جاز أخذ العوض إذا تراضيا على ذلك لانتفاء المانع المذكور في الصورة الاولى، وهو بيع الطعام المنتقل بالبيع قبل قبضه، وانما الاشكال في وجوب دفع العوض في غير بلد القرض، لان اطلاق القرض منزل على قبضه في بلده، فليس للمقرض المطالبة في غيره، كما أنه لو بذل له المقترض لم يجب عليه قبضه أيضا، لما في نقله إلى ما عينه الشارع موضعا للقبض من المؤنة، وإذا لم يجب دفع عين الحق فكذا قيمته، لعدم وقوع المعاوضة عليها واختار العلامة في المختلف وجوب دفع المثل وقت المطالبة، فان تعذر فالقيمة ببلد القرض. أقول: لم أقف بعد التتبع والفحص على دليل لما ذكروه هنا ايضا، من أن اطلاق القرض منزل على قبضه في بلده، وأنه لاجل ذلك ليس للمقرض المطالبة في غيره، ولا يجب عليه القبض ايضا لو بذله المقترض له في غيره، بل ربما دل ظاهر بعض الاخبار على خلاف ذلك. مثل ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) ” قال: سألته عن رجل لى عليه مال، فغاب عنى زمانا، فرأيته يطوف حول الكعبة فأتقاضاه قال: (عليه السلام): لا تسلم عليه ولا تروعه حتى يخرج من الحرم ” فان ترك الاستفصال يفيد عموم المقال كما ذكروه في غير مقام.


(1) الوسائل الباب 26 من ابواب الدين الرقم 1.


[ 189 ]

ويشير إلى ما ذكرناه من المناقشة في الموضعين المذكورين كلام المحقق الاردبيلى قال بعد ذكر نحو ما ذكروه من الاحكام المترتبة على دينك الحكمين: ما لفظه كل ذلك ظاهر مما تقدم إذا قيل بتعيين موضع السف والقرض للطلب فيه وهو محل التأمل. ثم قال: ويمكن الرجوع إلى القرائن، ومع عدمها إلى العرف الغالب بين الناس كما سلف في تعيين زمان السلف ومكانه انتهى. وبالجملة فالظاهر بناء على ما ذكرناه هنا هو قريب ما ذكره في المختلف، الا ان الظاهر ان تخصيصه القيمة ببلد القرض مبنى على ما نقلناة عنهم وقد عرفت ما فيه.

الثالث- أن يكون غصبا فقيل: انه لا يجب دفع المثل، ويجوز دفع القيمة بسعر البلد التى استقر الطعام في الذمة فيها، ونسب القول المذكور للشيخ مساويا بينه وبين القرض في الحكم. وقيل: وهو الاشهر بجواز مطالبة الغاصب بالمثل حيث كان، وبالقيمة الحاضرة عند الاعواز، وعلل بأنه حق تثبت عليه بعدوانه، فيعم كل مكان، وهو مؤاخذ بأسوء الاحوال. ووجه وجوب القيمة عند الاعواز انه وقت الانتقال إلى القيمة في المثلى واستقرب في المختلف قول الشيخ في القيمة، وهى قيمة بلد القرض، لانه غصبه هناك، فإذا تعذر المثل وجب عليه قيمته فيه. ونقل ما عليه الاكثر عن والده واحتمل بعضهم أعلى القيم من حين الغصب إلى حين الدفع، والظاهر هو القول المشهور في كل من الامرين المذكورين والله العالم.

الخامس عشر- قالوا: لو اشترى عينا بعين، وقبض احدى العينين وبقيت الاخرى عند بايعها، ثم باع القابض ما قبضه، ثم تلفت العين الاخرى عند بايعها بطل


[ 190 ]

البيع الاول، ولا سبيل إلى اعادة ما بيع ثانيا، لان تلك العين كانت ملكا خالصا للبايع، وانما طرء البطلان على العقد بعد انتقال العين، فلا يؤثر فيما سبق من التصرفات، وعلى هذا فيلزم على البايع الثاني دفع المثل ان كانت العين مثلية، والقيمة ان كانت قيمية، كما لو تلفت العين. بقى الكلام في القيمة هل هي قيمته يوم البيع، أو يوم تلف العين الاخرى يحتمل الاول لانه وقت تعذر المثل، والثانى لان القيمة لم تكن لازمة للبايع، وانما لزمت بتلف العين الاخرى الموجب لبطلان البيع، واستجوده في المسالك. قيل: ويستفاد من ذلك أن تلف المبيع قبل قبضه انما يبطل المبيع من حينه، لا من أصله، والا لاسترد العين، وتظهر الفايدة في ذلك وفى النماء. أقول لم أقف في هذه المسألة على نص بالخصوص، وبذلك يظهر ما في الفائدة المذكورة، فانه لو كان الحكم المذكور منصوصا لصحت هذه الفايدة وأما إذا كان ذلك ! انما هو بمجرد فتواهم وكلامهم فانه لا ثمرة لهذه الاستفادة والله العالم.

المطلب الرابع:

في اختلاف المتبايعين

وفيه مسائل:

الاولى- إذا عين المتبايعان نقدا مخصوصا تعين، وان أطلقا فان كان نقد البلد متحدا انصرف الاطلاق إليه، وان كان متعددا انصرف إلى ما هو الغالب، لما عرفت في غير موضع مما تقدم من أن الاطلاق انما ينصرف إلى الافراد الغالبة المتكررة، لو كثرت النقود فيها ولا غلبة في شئ منها بطل، لان تعدد النقود في البلد بمزلة اللفظ المشترك، ولا يحمل على أحد معانيه الا مع القرينة، ومع الغلبة فالقرينة ظاهرة، ومع التساوى فاللازم بطلان البيع، لمجهولية الثمن أو المبيع.


[ 191 ]

بقى الاشكال في ان الغلبة قد تكون في الاستعمال، وقد تكون في الاطلاق، بمعنى أن الاسم يغلب على أحدها، وان كان غيره أكثر استعمالا كما يتفق ذلك في بعض النقود، فان اتفقت الغلبة فيهما، فلا اشكال في الحمل على الاغلب وان اختلف بأن كان أحدهما أغلب استعمالا والاخر أغلب وصفا، ففى ترجيح أحدهما أو كونهما بمنزلة المتساوي نظرا إلى تعارض المرجحين اشكال، وهكذا الكلام في الكيل والوزن.

الثانية- إذا اختلفا في قدر الثمن فادعى البايع أكثر، وادعى المشترى أقل فالمشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه الشيخ الاجماع أن القول قول البايع بيمينه ان كانت السلعة قائمة، وقول المشترى مع يمينه ان كانت تالفة. ويدل على ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة مسندا في روايتي الكليني والشيخ عن أحمد بن محمد بن أبى نصر (1) عن رجل عن أبى عبد الله (عليه السلام) ومرسلا في الفقيه (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” في الرجل يبيع الشئ فيقول المشترى: هو بكذا وكذا بأقل مما قاله البايع، قال: القول قول البايع مع يمينه إذا كان الشئ قائما بعينه ” (3) والتقريب فيها أنها تدل بمنطوقها على تقديم قول البايع مع قيام عين المبيع، وبمفهومها على تقديم قول المشترى مع تلف العين، ولا يضر ارسال الخبر المذكور، لرواية المشايخ الثلاثة له، ولما ذكروه من استثناء مراسيل أحمد بن محمد بن أبى نصر، لانه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، ولعمل جل الاصحاب بها لاسيما المحدثين الثلاثة، وغيرهم من المتقدمين وجل المتأخرين قال في الوافى بعد ذكر الخبر المذكور: والوجه فيه أن مع بقاء


(1) الكافي ج 5 ص 174 التهذيب ج 7 ص 26. (2) الفقيه ج 3 ص 171. (3) يعنى قيام السلعة وتلفها منه رحمه الله.


[ 192 ]

العين يرجع الدعوى إلى رضا البايع، وهو منكر لرضاه بالاقل، ومع تلفه يرجع إلى شغل ذمة المشترى بالثمن، وهو منكر للزيادة (1). أقول هذا الوجه الذى ذكره هنا قد احتج به بعض القائلين بالقول المشهور وقد تنظر فيه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قال: لاتفاقهما على انتقال العين إلى المشترى وملكه لها، وانما الخلاف بينهما فيما يستحق في ذمة المشترى، فلا وجه لتقديم قول البايع، بل المشترى هو المنكر في الموضععين، ثم قال: فالمعتبر حيئذ هو النص. انتهى وهو جيد متين. وما ذكره (قدس سره) هنا قد احتمله العلامة في القواعد قولا في المسألة، ونقله في التذكرة قولا عن بعض العامة، وقوله وظاهر المحقق الاردبيلى تقوية القول المذكور، قال: وهو الظاهر الموافق للقوانين، وكذا يظهر من المسالك أنه أقوى الاقوال، وهو كذلك، فانه الاوفق بالقواعد الشرعية، الا أنه لا معدل عن النص المذكور، لما قدمنا ذكره، ويمكن تأييد الخبر المذكور بما رواه في الكافي: والتهذيب. عن الحسين بن عمر بن يزيد عن أبيه (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) ” قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا لتاجران صدقا بورك لهما وإذا كذبا وخانا لم يبارك لهما وهما بالخيار ما لم يفترقا فان اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا “


(1) اقول مرجع هذا الوجه الذى ذكره إلى أن المبيع متى كان باقيا فالاصل عدم انتقاله من ملك البايع الا برضاه، وهو لا يرضى الا بما يدعيه، وفيه ما عرفت في الاصل من الاتفاق على انتقال المبيع إلى المشترى، ورجوع الاختلاف إلى الثمن لزيادة ونقيصة، والاصل عدم الزيادة بعد الاعتراف بالبيع، فدعوى المشترى مطابق لهذا الاصل، فالقول قوله حينئذ بيمينه، هذا هو مقتضى الاصول والقواعد الاصول والقواعد كما ذكرناه في الاصل. منه رحمه الله (1) الكافي ج 5 ص 174 التهذيب ج 7 ص 26.


[ 193 ]

والتقريب فيه ان الظاهر أن الاختلاف بينهما مع وجود السلعة كما يشير إليه قوله أو يتتاركا، وقد جعل القول فيه قول البايع، ومحل الاختلاف وان كان مطلقا الا أن ما نحن فيه داخل تحت الاطلاق، وسيجئ انشاء الله تعالى أن القول قول البايع في ساير الاختلافات الاتية. وفى المسألة أقوال أخر أيضا، منها أن القول قول من هي في يده، الا أن يحدث المشترى فيها حدثا، فيكون القول قوله مطلقا، وهو مذهب ابن الجنيد ونفى عنه البأس في التذكرة، ووجه هذا القول بالنسبة إلى الاقل أن من كان المبيع في يده يحكم له بالملك، ويصير غير ذى اليد مدعيا، وبتقريب آخر ان من ليس في يده يدعي انتزاعه بما يقربه من الثمن، وذو اليد ينكر ذلك، فيكون القول قوله، ترجيحا لليد، فان الخارج هو المدعى. وأما بالنسبة إلى حدث المشترى فانه دليل اليد، فيكون القول قوله مطلقا، وفيه ما عرفت آنفا من أن مرجع الاختلاف والنزاع انما هو في الثمن، لافى أصل المبيع، للاتفاق على انتقاله بالبيع. ومنها أنهما يتحالفان مطلقا، لان كلا منهما مدع ومنكر، وذلك لان العقد الذى تضمن الاقل وتشخص به ينكره البايع، والعقد الذى تضمن الثمن الاكثر وتشخص به ينكره المشترى، فيكون هذا النزاع في قوة ادعاء كل منهما عقدا ينكره الاخر، فيتحالفان ويبطل البيع، وهذا القول احتمله العلامة في كثير من كتبه، وصححه ولده في الايضاح، ونسبه في الدروس إلى الندور مع أنه اختاره في قواعده، وأورد عليه بمنع المغايرة الموجبة لما ذكر لاتفاقهما على عقد واحد، وعلى انتقال المبيع إلى المشترى به، وثبوت الثمن الاقل في ذمة المشترى، وانما يختلفان في الزايد فاحدهما يدعيه، والاخر ينكره، فلا وجه للتحالف. ومنها أن القول قول المشترى مع قيام السلعة أو تلفها في يده أو في


[ 194 ]

يد البايع بعد الاقباض، والثمن معين، والاقل لا يغاير اجزاء الاكثر، ولو كان مغايرا تحالفا، وفسخ العقد، واحتج على الاول بأن المشترى منكر، وعلى الثاني بأن التحالف في عين الثمن، وكل منهما ينكر ما يدعيه الاخر، فيتحالفان، ذهب إلى هذا القول العلامة في المختلف وهو يرجع إلى تقديم قول المشترى مطلقا، حيث يكون الاختلاف في كمية الثمن، وقد عرفت قوته بحسب القواعد، الا أن النص على خلافه (1).

تنبيهات:

الاول- قال في المسالك بعد الكلام في المسألة: هذا البحث كله إذا وقع


(1) قال في المختلف: والمعتمد أن نقول: ان السلعة اما أن تكون باقية أو تالفة، فان كانت تالفه فاما أن تكون قد تلفت في يد البايع قبل الاقباض، أوفى يد المشترى أوفى يد البايع بعد الاقباض فان تلفت في يد البايع قبل الاقباض بطل البيع، ولا معنى للتحالف وان تلفت في يد المشترى أوقى يد البايع بعد الاقباض، أو كانت قائمة فلا يخلو اما أن يكون الثمن معينا أوفى الذمة، فان كان معينا فاما أن يكون الاقل مغايرا لاجزاء الاكثر أولا، فان كان مغايرا تحالفا وفسخ البيع، وان لم يكن فالقول قول المشترى، ويحتمل التخالف، لنا انه على تقدير المخالفة يكون التخالف في عين المثمن كما تخالفا في قدره، ولا ريب أنه مع التخالف في عين الثمن يتحالفان فكذا هنا، وأما على باقى التقادير فلان البايع يدعى الزيادة في الثمن، والمشترى ينكرها، فالقول قوله مع اليمين، كما لو تلفت السلعة أو كانت في يد المشترى، واما احتمال التحالف على هذه التقادير غير تقدير المخالفة، فلانهما متداعيان كل منهما مدع، فان البايع يدعى العقد بعشرين، والمشترى يدعى العقد


[ 195 ]

النزاع بعد قبض المشترى، أو قبله مع بقاء عين المبيع، أما لو وقع بعد تلفه في يد البايع، فان العقد ينفسخ، ولا يظهر للنزاع أثر ان لم يكن البايع قد قبض الثمن، ولو كان قبضه كان كالدين في ذمته أو الامانة عنده، فيقدم قوله في قدره، ومثله ما لو اختلفا في قدر الثمن بعد قبض البايع له والاقالة أو الفسخ باحد وجوهه. أقول: ينبغي تقييد انفساخ العقد بتلفه في يد البايع بما لو لم يحصل اقباض بالكلية، والا فلو تلف في يده بعد حصول الاقباض والعود إليه ثانيا، فان الحكم فيه كما في صورة الاقباض.

الثاني- موضع الخلاف كما اشاره إليه العلامة في المختلف وصرح به شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ما لو كان الثمن في الذمة، ليمكن جريان الاقوال فيه، فلو كان معينا كما لو قال البايع: بعتك بهذا العبد أو بهذا الدينار فقال المشترى: بل بهذه الامة أو الدراهم، فانه يتعين التحالف قطعا، لان كلا منهما مدع ومنكر، وهو ضابط التحالف، وهذا لا يطلق عليه الاختلاف في القدر، كما هو محل البحث. نعم قد يتفق مع التعيين الاختلاف في القدر أيضا، وبه يندرج تحت البحث حينئذ، كما لو قال: بعتك بهذين الدينارين أو الدرهمين، فقال: بل بأحدهما معينا، فان الحكم فيه كالذمة، والاقوال المتقدمة تجرى فيه.

الثالث- أنه على تقدير القول المشهور من الفرق بين قيام العين وتلفها لو كانت العين باقية، لكنها قد انتقلت عن المشترى انتقالا لازما بالبيع، أو العتق أو الهبة


بعشرة، والعقد بعشرين غير العقد بعشرة. انتهى وجوابه علم مما في الاصل، أما بالنسبة إلى التحالف فلما عرفت في جواب القول بالتحالف، وأما بالنسبة إلى ان القول قول المشترى بيمينه فلما عرفت من انه وان كان قويا في حد ذاته الا أن النص دل على خلافه. والله العالم (منه رحمه الله).


[ 196 ]

اللازمة مثلا. فهل يكون ذلك من قبيل التلف، أم لا ؟ اشكال ينشأ من صدق التلف بذلك، وعدمه، إذ المتبادر من التلف هو زوال العين عن الوجود وهنا ليس كذلك، وان كان في حكم التلف من خروجها عن الانتقاع بالنسبة إلى المشترى. ويمكن أن يقال: ان النص دل على أن القول قول البايع إذا كانت العين قائمة، والمتبادر منه وجودها بين المتبايعين في يد أحدهما، كما يشير إليه الخبر الثاني من قوله ” أو يتتاركا ” ومفهومه حينئذ ما لم يكن موجودة في يد أحدهما، والتعبير بالتلف انما وقع في عبارة بعض الاصحاب، وجعلوه مفهوم مخالفة لقوله ” قائمة ” بناء على حمله على مجرد الوجود، والظاهر منه انما هو ما ذكرناه، فان وجودها بعد انتقالها بناقل شرعي لازم لا يدخل تحت منطوق الخبر المذكور. وكيف كان فالحكم غير خال من شوب الاشكال. وكذا يجرى الاشكال في الانتقال الغير اللازم كالبيع في زمن الخيار للبايع، والهبة قبل القبض أو بعده حيث يجوز الفسخ، وأنه هل يجرى مجرى التلف أم لا ؟.

الثالثة- لو اختلفا في تأخير الثمن وتأجيله أوفى قدر الاجل في اشتراط رهن أو ضمين فالقول قول البايع مع يمينه، لانه في هذه المواضع كلها منكر، وربما قيل: بالتحالف هنا أيضا، كما في سابق هذه المسألة، لان أحدهما يسند الملك إلى سبب مخصوص، والاخر ينفيه ويسنده إلى سبب آخر، ففى الحقيقة الملك بقول أحدهما غير الملك بقول الاخر، وكل منهما مدع، ومدعى عليه، فيتحالفان، ووجه ضعفه يعلم مما سلف، وذلك لانهما اتفقا على صدور العقد، وحصول الملك للمشترى، والثمن للبايع، وانما حصل النزاع في أحد هذه الامور الزايدة على ذلك والبايع ينكره، فيقدم قوله في نفيه.

الرابعة- لو اختلفا في المبيع، فقال البايع: بعتك ثوبا، فقال المشترى: بل ثوبين، فان القول قول البايع بيمينه، لانه منكر لبيع الزايد، مع اتفاقهما على أمر مشترك، وهو بيع الثوب الواحد.


[ 197 ]

هذا حيث لا يكون المتنازع معينا، والا فالحكم التحالف، كما لو قال البايع: بعتك هذا الثوب، وقال المشترى: بل هذين الثوبين، مشيرا إلى غير ذلك الثوب المعين، فانه يتعين القول بالتحالف، لعدم الاتفاق على شئ. وكذا أيضا يجب تقييد أصل المسألة بما إذا لم يختلفا في الثمن على كل من التقديرين، لانه حينئذ يمكن الاخذ بالمشترك بين كلاميهما، بخلاف ما لو قال: بعتك هذا بالف، فقال: بل هذا وهذا بألفين، فلانه لا مشترك بين كلاميهما يمكن الاخذ به، فلابد من التحالف كما ذكره في التذكرة. واعلم أن ضابط التحالف المقطوع به في كلامهم ادعاء كل منهما على صاحبه ما ينفيه الاخر، بحيث لا يتفقان على أمر كما هنا، ومثله ما لو اختلفا في الثمن المعين، أو فيهما معا، ومثله ما لو ادعا أحدهما البيع، والاخر الصلح. ولو اتفقا على أمر واحد واختلفا في وصف زايد أو قدر بحيث كانت الدعوى من طرف واحد، كما في المواضع التى قدمناها حلف المنكر، وأما من أجرى التحالف في مثل تلك المواضع فقد عرفت بطلانه، لخروجه عن الضابطة المذكورة، وكما يجرى ذلك في البيع فكذا في الصلح والاجارة ونحوهما. بقى هنا شئ ينبغى التنبيه عليه، وهو أنه إذا ادعى البايع: أنى بعتك هذا الثوب، فقال المشترى: بل هذا اشارة إلى ثوب آخر، فان الحكم كما عرفت التحالف، وبطلان البيع، فإذا حلف البايع على نفى ما يدعيه المشترى بقى الثوب على ملكه، فان كان في يده، والا انتزعه من يد المشترى، وإذا حلف المشترى على نفى ما يدعيه البايع، وكان الثوب في يده لم يكن للبايع مطالبته به، لانه لا يدعيه، وان كان في يد البايع لم يكن له التصرف فيه، لانه معترف بانه للمشترى، وله ثمنه في ذمته، فان كان البايع قد قبض الثمن رده على المشترى، ويأخذ الثوب قصاصا، وان لم يكن قبضه أخذ الثوب قصاصا أيضا بذلك الثمن، ولو زاد فهو مال لا يدعيه أحد، كذا فصله العلامة في التذكرة.


[ 198 ]

ولو ماتا المتبايعان فاختلف ورثهما، فذهب جمع من الاصحاب إلى أن القول قول ورثة البايع في قدر المبيع، وورثة المشترى في قدر الثمن. أما كون القول قول ورثة البايع في قدر المبيع فهو جار على قول مورثهم، لان القول قوله لو كان حيا كما تقدم. وأما أن القول قول ورثة المشترى في قدر الثمن مع أنه ليس كذلك في مورثهم، لانهم منكرون. وذهب الاكثر إلى أن الورثة في ذلك كالمورثين فيقدم قول ورثة البايع مع بقاء السلعة، وقول ورثة المشترى مع تلفها، ولو اختلف الورثة في عين الثمن أو عين المبيع فالحكم التحالف، كما تقدم ذكره في المتبايعين.

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: