الماء المطلق الجاري

كتاب الطهارة

وفيه أبواب أربعة

الباب الأول في المياه

وينقسم الماء إلى مطلق ومضاف. والأول منهما إلى جار وراكد. والجاري إلى ماء بئر وغيره. والراكد إلى كر واقل منه. والأقل إلى ماء سؤر وغيره. وحيث جرت عادة فقهائنا (نور الله مراقدهم) بإفراد البحث لكل من هذه الأقسام لاختلافها بالنسبة إلى ملاقاة النجاسة في الأحكام، كان الواجب بسط الكلام هنا في فصول ستة وختام.

الفصل الأول

في الماء المطلق الجاري

والقول فيه ينتظم في مقالات:

(المقالة الأولى) المراد بالجاري هو النابع وان لم يتعد محله. والنبع على ما في كتب اللغة عبارة عن خروج الماء من العين، قال في الصحاح: ” نبع الماء ينبع نبوعا: خرج، والينبوع عين الماء، ومنه: قوله تعالى: (حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا) (1) والجمع ينابيع ” انتهى. وقال في القاموس: ” نبع الماء ينبع مثلثة نبعا ونبوعا: خرج من العين، والينبوع العين ” وقال في مادة عين: ” العين: الباصرة، إلى ان قال: وينبوع الماء ” انتهى. وعلى هذا فالعين انما هو اسم للينبوع الذي يخرج منه الماء وان اشتهر اطلاقها على مجمع الماء، وحينئذ فما


(1) سورة الاسراء. آية 93.


[ 172 ]

يوجد في بعض البلدان كبلادنا البحرين حرسها الله من طوارق الملوين، من الآبار التي يخرج ماؤها بطريق الترشيح من الارض لا تدخل في الجاري، ولعها مما تدخل تحت الثمد بالثاء المثلثة ثم الميم ثم الدال المهملة، وهو على ما صرح به في القاموس الماء القليل لا مادة له، إذ الظاهر ان المراد بالمادة هو الينبوع الذي يخرج منه الماء بقوة وثوران دون ما يخرج بطريق الترشيح من جميع سطح الارض، ولهذا ان الوالد (عطر الله مرقده) كان يطهر – بتلك الآبار المشار إليها حيث كانت في قريته متى تنجست بالقاء الكر عليها دون مجرد النزح منها، إلا ان تطهيره لها بالقاء الكر عليها كان يجعل الكر في ظروف متعددة، وفيه عندي اشكال سيأتي التنبيه عليه في الكلام على تطهير الماء القليل ان شاء الله تعالى.

(المقالة الثانية) الماء المطلق من حيث هو سواء نزل من السماء أو نبع من الارض أو اذيب من الثلج والبرد أو كان ماء بحر أو نحوه طاهر في نفسه مطهر لغيره اجماعا، فتوى ودليلا، آية ورواية. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله سبحانه: (وانزلنا من السماء ماءا طهورا) (1) وقوله عز شأنه: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به..) (2). وقد اورد على الاستدلال بهذه الآيات سؤالات: (أحدها) ان اقصى ما تدل عليه طهورية ماء السماء لا مطلق الماء، فالدليل أخص من الدعوى. (ثانيها) ان (ماء) في الآيتين نكرة في سياق الاثبات، وهي لا تفيد العموم كما صرحوا به في الاصول. (ثالثها) ان (طهورا) هنا لا يجوز ان يكون على بابه من المبالغة في امثاله لان المبالغة في (فعول) إنما هي بزيادة المعنى المصدري وشدته فيه، كأكول وضروب،


(1) سورة الفرقان. آية 51. (2) سورة الانفال. آية 12.


[ 173 ]

وكون الماء مطهرا لغيره امر خارج عن اصل الطهارة التي هي المعنى االمصدري، فيكف تراد منه ؟ بل هو حينئذ بمعنى الطاهر. والجواب عن الاول ان المستفاد من الآيات القرآنية ان الماء اصله كله من السماء، وبذلك صرح شيخنا الصدوق في اول كتاب من لا يحضره الفقيه، وما ذكره المتخرصون، من ان مواد المياه ليست إلا الابخرة المحتبسة، وان حصل لها الغزارة والنزازة بكثرة مياه الامطار والثلوج وقلتها فكلام عار عن التحصيل، فضلا عن مخالفته لصريح التنزيل، وما ورد عن معادن التأويل. ومن الآيات الدالة على ما قلنا قوله سبحانه: ” وانزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الارض، وإنا على ذهاب به لقادرون ” (1) وروى الثقة الجليل علي ابن ابراهيم القمي في تفسير هذه الآية عن الباقر (عليه السلام) قال: ” هي الانهار والعيون والآبار “. وقوله تعالى: ” ألم تر ان الله انزل ممن السماء ماء فسلكه في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه.. ” (2). وقوله تعالى: ” هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر إلى قوله: ينبت لكم به الزرع.. ” (3). فهذه الآيات دالة على ان أصل ماء الارض كله من السماء. والجواب عن الثاني انه وان كان كذلك مع عدم قرينة تفيد العموم إلا ان قرينة المقام في هذه الآيات التي نقلناها تفيد العموم، فان الظاهر ان هذه الآيات كلها واردة في معرض التفضل واظهار الامتنان وبيان الانعام، وحينئذ فلو كان هناك


(1) سورة المؤمنون. آية 19. (2) سورة الزمر. آية 23. (3) سورة النحل. آية 11 و 12.


[ 174 ]

فرد آخر لذكره (عز شأنه) سيما مع ما يدل عليه قوله سبحانه: ” وانا على ذهاب به لقادرون ” (1) من التهديد بانه ان أذهب ذلك الماء النازل من السماء لم يبق لنا غيره. وبما ذكرنا صرح جمع من الاصوليين، حيث قالوا بان النكرة في سياق الاثبات إذا كانت للامتنان عمت، وفرعوا عليه قوله سبحانه: ” فيهما فاكهة ونخل ورمان ” (2). والجواب عن الثالث ان الطهور في اللغة لمعان: (أحدها) انه وصف بمعنى طاهر، ومنه انقدحت الشبهة على المعترض المذكور. و (ثانيها) ما هو مشهور بين أهل اللغة على ما نقله جمع من الخاصة والعامة من انه اسم لما يتطهر به، كالسحور والوقود والغسول ونحوها. وحمله في تلك الآيات على هذا المعنى ممكن، وان احتاج وصف الماء به إلى نوع تجريد، لان اسماء الآلة كاسماء الزمان والمكان لا يوصف بها مثل المشتقات، وحينئذ فلا اثر لذلك الايراد. و (ثالثها) بمعنى الطاهر المطهر كما هو المدعى، وبذلك صرح الفاضل الفيومي في كتاب المصباح المنير، حيث قال: ” وطهور قيل مبالغة وانه بمعنى طاهر، والاكثر انه لوصف زائد، قال ابن فارس: قال ثعلب: الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره. وقال الازهري ايضا: الطهور في اللغة هو الطاهر المطهر، قال: وفعول في كلام العرب لمعان: (منها) فعول لما يفعل به، مثل الطهور لما يتطهر به، والوضوء لما يتوضأ به، والفطور لما يفطر عليه والغسول لما يغتسل به ويغسل به الشئ، وقوله عليه الصلاة والسلام: ” هو الطهور ماؤه ” (3) اي هو الطاهر المطهر


(1) سورة المؤمنون. آية 19. (2) سورة الرحمن. آية 69. (3) هذا من حديث روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) في ماء البحر بالنص =


[ 175 ]

قاله ابن الاثير، قال: وما لم يكن مطهرا فليس بطهور. وقال الزمخشري: الطهور البليغ في الطهارة. وقال بعض العلماء: ويفهم من قوله تعالى: (وانزلنا من السماء ماء طهورا) (1) انه طاهر في نفسه مطهر لغيره، لان قوله: (ماء) يفهم منه انه طاهر. لانه ذكر في معرض الامتنان. ولا يكون ذلك إلا بما ينتفع به، فيكون طاهرا في نفسه. وقوله: (طهورا) يفهم منه صفة زائدة على الطهارة وهى الطهورية (فان قيل): قد ورد طهور بمعنى طاهر كما في قوله: ” ريقهن طهور ” (فالجواب) ان وروده كذلك غير مطرد بل هو سماعي، وهو في البيت مبالغة في الوصف أو واقع موقع طاهر لاقامة الوزن، ولو كان طهور بمعنى طاهر مطلقا لقيل: ثوب طهور وخشب طهور ونحو ذلك. وهو ممتنع ” انتهى كلام صاحب المصباح. والى ذلك ايضا يشير كلام الشيخ في التهذيب حيث قال: ” الطهور هو المطهر في لغة العرب، ثم قال: وليس لاحد أن يقول: ان الطهور لا يفيد في لغة العرب كونه مطهرا، لان هذا خلاف على أهل اللغة، لانهم لا يفرقون بين قول القائل: هذا ماء طهور. وهذا ماء مطهر. ثم قال ما ملخصه: انه لو قيل: ان الطهور لا يكون بمعنى المطهر، لان اسم الفاعل منه غير متعد، وكل فعول ورد في كلام العرب متعديا لم يكن إلا وفاعله متعد. قيل له: انه لا خلاف بين اهل النحو ان فعولا موضوع للمبالغة وتكرر الصفة. وعدم حصول المبالغة على ذلك الوجه لا يستلزم عدم حصولها بوجه آخر. والمراد هنا باعتبار كونه مطهرا ” انتهى.


= الآنى: ” هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ” كما في الجزء الاول من المنتقى لابن تيمية في الصحيفة 4، وكما في الجزء الثالث من تيسير الوصول للشيباني في الصحيفة 54 وغيرهما. ورواه صاحب الوسائل في باب – 2 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة عن المحقق في المعتبر. (1) سورة الفرقان. آية 51.


[ 176 ]

واعترضه جمع من متأخري المتأخرين منهم: المحققان المدققان الشيخ حسن في المعالم والسيد السند في المدارك بما حاصله: ان الطهور لم يرد في اللغة بمعنى المطهر، بل هو اما صفة كقولك: ماء طهور اي طاهر، أو اسم غير صفة ومعناه ما يطهر به. والشيخ قد استدل على كونه بمعنى المطهر بانه لا خلاف بين اهل النحو. واللغة لا تثبت بالاستدلال. وفيه ان الشيخ (رحمه الله) لم يستدل على كون طهور بمعنى مطهر، وانما نقل ذلك عن العرب واسنده إليهم، ثم استشعر اعتراضا قد اورد في البين واجاب عنه بما ذكر. وكلامه من قبيل ما يقال: انه تعليل بعد الورود، وبيان ذلك ان أبا حنيفة قد خالف في المسألة وقال: ان طهور بمعنى طاهر، وانكر كونه بذلك المعنى، واورد على من ادعى انه كذلك هذا السؤال الذي ذكره الشيخ (رحمه الله تعالى) وأجاب عنه. والسؤال المذكور وجوابه مذكوران في كتب الشافعية كينابيع الاسفرايني وغيره، فانهم نقلوا عن ابي حنيفة ذلك واجابوا عنه بما ذكر. وبذلك ظهر ان الشيخ لم يكن غرضه الاحتجاج على ذلك وانما استند في ثبوته إلى ما نقله عن العرب، وغرضه من ذلك الكلام الآخر انما هو دفع السؤال وبيان حكمه الواضع وتصحيح لغرضه لا الاحتجاج على ذلك المطلب واثباته. والعجب من انكار جملة من فضلاء متأخري المتأخرين كهذين الفاضلين وغيرهما ورود طهور بمعنى الطاهر المطهر لغة. وكلام صاحب المصباح كما عرفت على غاية من الصراحة والايضاح، وقد نقله عن جملة من أئمة اللغة، بل ظاهر كلامه انه قول الاكثر، وان المعنى الوصفي للفظ الطهور إنما هو عبارة عن هذا المعنى. واما كونه بمعنى طاهر فظاهر آخر كلامه كما عرفت انه غير مطرد بل موقوف على السماع كما في البيت الذي اورده. وعبارة القاموس ايضا دالة على ذلك، حيث قال: ” الطهور


[ 177 ]

المصدر واسم ما يتطهر به والطاهر المطهر ” انتهى. ونقل بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) ان الشافعية نقلت ذلك عن أهل اللغة، ونقل هو (قدس سره) عن الترمذي وهو من أئمة اللغة انه قال: ” الطهور بالفتح من الاسماء المتعدية وهو المطهر غيره ” انتهى. ونقله المحقق في المعتبر عن بعض أهل اللغة ايضا. ومن الاخبار الدالة على ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) باسانيدهم عن الصادق (عليه السلام) قال: ” الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر ” (1) وفى هذا الحديث الشريف بحث نفيس حررناه في كتاب الدرر النجفية من المتلقطات اليوسفية، وقد تقدم جملة من الكلام فيه في صدر المقدمة الحادية عشرة (2). وصحيحة داود بن فرقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: ” كان بنو اسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله عليكم باوسع ما بين السماء والارض وجعل لكم الماء طهورا، فانظروا كيف تكونون ؟ “. ورواية السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: ” قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الماء يطهر ولا يطهر “. وهذا الحديث بناء على القول بنجاسة القليل بالملاقاة لا يخلو من اشكال، فان


(1) رواه الكليني في الكافي في باب – 1 – من كتاب الطهارة، والشيخ في التهذيب في باب (المياه واحكامها) في الصحيفة 61 بالنص المذكور في كتاب، ورواه الصدوق في الفقيه في باب (المياه وطهرها ونجاستها) من الجزء الاول بالنص الآتى: ” كل ماء طاهر إلا ما علمت انه قذر ” (2) في الصحيفة 134. (3) و (4) المروية في الوسائل في باب – 1 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة


[ 178 ]

قليل الماء إذا تنجس كان طهره بالكثير من الجاري أو الراكد. واجيب بان المراد يطهر غيره ولا يطهر غيره. ويرد عليه ايضا بانه على اطلاقه غير مستقيم، لانتقاضه بالبئر، فان تطهيرها بالنزح، والماء النجس يطهر باستحالته ملحا، والماء القليل إذا كان نجسا وتمم كرا بمضاف لم يسلبه الاطلاق، فانه في جميع هذه الصور قد طهر الماء غيره. واجيب عن ذلك (اما عن الاول) فبانا لا نسلم ان مطهر البئر حقيقة هو النزح بل هو في الحقيقة الماء النابع منها شيئا فشيئا بعد اخراج الماء المنزوح. ولا يخلو من ضعف. بل التحقيق الجواب بعدم نجاسة البئر بالملاقاة، وحينئذ فأصل الاعتراض بالبئر ساقط. و (اما عن الثاني) فبان الماء قد عدم بالكلية فلم يبق هناك ماء مطهر بغيره. ومثله ايضا الماء النجس إذا شربه حيوان مأكون اللحم واستحال بولا، فانه يخرج عن الحقيقة الاولى إلى حقيقة اخرى. و (اما عن الثالث) فبعد تسلم ذلك يمكن ان يقال: المطهر هنا هو مجموع الماء البالغ كرا لا المضاف وحده. ويمكن الجواب عن أصل الاشكال بان الماء متى تنجس فطهره بممازجة الكثير له على وجه يستهلك النجس فيه، وهذا لا يسمى في العرف تطهيرا، لاضمحلال النجس حينئذ، وحينئذ يصدق ان الماء لا يطهر، وفي الحديث حينئذ دلالة على اعتبار الممازجة في المطهر دون مجرد الاتصال كما هو أحد القولين، ولعل هذا المعنى أقرب من الاول، لسلامته من التكلفات.

(المقالة الثالثة) لا خلاف ولا إشكال في أن الماء الجاري بل كل ماء ينجس باسيتلاء النجاسة على أحد اوصافه الثلاثة اعني اللون أو الطعم أو الريح.


[ 179 ]

وتدل عليه الاخبار المستفيضة كصحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: ” كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ منه واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ منه ولا تشرب “. وصحيحة زرارة (2): ” إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ إلا ان تجئ ريح تغلب على ريح الماء “. ورواية عبد الله بن سنان (3) قال: ” سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) على غدير انوه وفيه جيفة. فقال: ان كان الماء قاهرا ولا توجد فيه الريح فتوضأ “. وصحيحة ابي خالد القماط (4) انه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ” في الماء يمر به الرجل وهو نقيع فيه الميتة والجيفة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ان كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه، وان لم يتغير ريحه وطعمه فاشرب منه وتوضأ “. ورواية العلاء بن الفضيل (5) قال: ” سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها ؟ قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول “. ورواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه ” سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: ان تغير الماء فلا تتوضأ منه، وان لم تغيره ابوالها فتوضأ منه. وكذلك الدم إذا سال في الماء واشباهه “.


(1) المروية في الوسائل في باب – 3 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في باب – 3 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة بالنص الآتى: قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): ” إذا كان الماء اكثر من رواية لم ينجسه شئ – تفسخ فيه أو لم يتفسخ – إلا ان تجئ له ريح تغلب على ريح الماء “. (3) و (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في باب – 3 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.


[ 180 ]

واستدل جمع من متأخرى المتأخرين على الحكم المذكور بقوله (صلى الله عليه وآله): ” خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ” (1) بل ادعى السيد السند في المدارك انه من الاخبار المستفيضة. والعجب منه (قدس سره) انه بعد ذلك في بحث نجاسة البئر بالملاقاة، حيث انكر ورود نجاسة الماء بتغير لونه في أخبارنا طعن في الخبر المذكور بانه عامي مرسل والحق كونه كذلك (2) فانا لم نقف عليه في شئ من كتب أخبارنا بعد الفحص التام، وبذلك صرح ايضا جماع ممن تقدمنا. وممن صرح بكونه عاميا شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين، ذكر ذلك ايضا في مقام انكار ورود التغير اللوني في اخبارنا، والظاهر انه اقتفى في هذه المقالة اثر السيد المذكور. والعجب منهما (قدس سرهما) في ذلك ورواية العلاء بن الفضيل المتقدمة تنادي بالدلالة عليه. ومثلها صحيحة شهاب بن عبد ربه عن ابي عبد الله (عليه السلام) المروية في كتاب البصائر (4) حيث قال في آخرها: ” وجئت تسأل عن الماء الراكد، فما


(1) رواه صاحب الوسائل في باب – 1 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة عن المعتبر والسرائر. (2) الذى عثرنا عليه في روايات العامة بهذا المضمون هي النصوص الآتية: ” الماء لا ينجسه شئ الا ما غلب عليه طعمه أو ريحه ” كما في الجزء الاول من سنن البيهقى في الصحيفة 259. ” ان الماء طاهر الا ان تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيها ” كما في الصحيفة 260 منه. الماء لا ينجس الا ما غير ريحه أو طعمه ” كما في الصحيفة 260 منه ايضا وقد رواها عن النبي صلى الله عليه وآله مسندة. ” الماء طهور الا ما غلب على ريحه أو طعمه ” كما في كنز العمال ج 5 ص 94. (3) في الصحيفة 179 السطر 12. (4) ج 5. باب (ان الائمة يعرفون الاضمار) وفى الوسائل في باب – 9 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.


[ 181 ]

لم يكن فيه تغير أو ريح غالبة. قلت: فما التغير ؟ قال: الصفرة، فتوضأ منه.. الحديث “. ويدل على ذلك ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): ” كل غدير فيه من الماء اكثر من كر لا ينجسه ما يقع فيه من النجاسات إلا ان تكون فيه الجيف فتغير لونه وطعمه ورائحته، فإذا غيرته لم يشرب منه ولم يتطهر منه.. الحديث “. وهذا الكتاب وان لم يشتهر بين الاصحاب النقل عنه ولا الاعتماد عليه بل ربما طعن بعضهم في ثبوته عنه (عليه السلام) الا ان الاظهر كما قدمنا ذكره (2) هو الاعتماد عليه. ولعل السر في اشتمال اكثر الاخبار على التغير الطعمي والريحي دون اللوني ان تغير الطعم والريح اسرع من تغير اللون أو لا ينفك تغير اللون من تغيرهما فلا ثمرة في التعرض له حينئذ. وهل يعتبر التغير الحسي، فلو كان الماء على صفاته الاصلية وكانت النجاسة مسلوبة الاوصاف لم تؤثر في نجاسة الماء وان كثرت. أو يجب تقدير الاوصاف للنجاسة، فلو كانت مما يتغير بها الماء على تقدير وجود الاوصاف نجس والا فلا ؟ قولان. المشهور الاول نظرا إلى ان التغير حقيقة في الحسي، لصدق السلب بدونه، واللفظ إنما يحمل على حقيقته، واعتبار التقدير يتوقف على دليل، والاصل عدمه. ويمكن أن يقال: ان التغير حقيقة في النفس الامري لا فيما كان محسوسا ظاهرا، فقد يمنع من ظهوره مانع، كما اعترفوا به فيما سيأتي مما إذا خالفت النجاسة الجاري في الاوصاف لكن منع من ظهورها مانع، فانهم قطعوا هناك بوجوب التقدير،


(1) في الصحيفة 5 السطر 18. وقد اسقط (قده) منه ما لا يرتبط بمورد البحث. (2) في الصحيفة 25 السطر 12.


[ 182 ]

استنادا إلى ان التغير حصل واقعا وان منع من ظهوره مانع، والمناط التغير في الواقع لا الحسي، والفرق بين الموضعين لا يخلو من خفاء. ويؤيد ذلك ان الظاهر ان الشارع إنما ناط النجاسة بالتغير في هذه الاوصاف لدلالته على غلبة النجاسة وكثرتها على الماء واقعا، وإلا فالتغير بها من حيث هو لا مدخل له في التنجيس، فالمنجس حقيقة هو غلبة النجاسة وزيادتها وان كان مظهره التغير المذكور، وحينئذ فلو كانت هذه النجاسة المسلوبة الاوصاف بلغت في الكثرة إلى حد يقطع بتغير الماء بها لو كانت ذات اوصاف، فقد حصل موجب التنجيس حقيقة الذي هو غلبة النجاسة وزيادتها على الماء. وبالجملة فانا نقول: كما ان الموجب لنجاسة القليل على المشهور مجرد ملاقاة النجاسة وان قلت، فالمنجس للكثير كثرتها وغلبتها. واناطة ذلك بالتغير في تلك الاوصاف انما هو لكونه مظهرا لها غالبا، فمع حصولها بدونه تكون موجبة للتنجيس (1). ويؤيد ذلك ايضا ما صرح به المحقق الثاني من ان عدم التقدير يفضي إلى جواز الاستعمال وان زادت النجاسة اضعافا، وهو كالمعلوم البطلان. والجواب بانه مع استهلاك النجاسة الماء لكثرتها يثبت التنجيس قولا واحدا مما يؤيد ما حققناه آنفا من ان الاعتبار بغلبة النجاسة وكثرتها على الماء وان تفاوت ذلك


(1) وممن جنح إلى ما ذكرناه في هذا المقام الفاضل السيد نور الدين بن ابى الحسن في شرح المختصر، حيث قال – بعد نقل كلام اخيه السيد السند في المدارك – ما صورته: ” ويشكل ذلك إذا فسر التغير بالاستيلاء ولم يكتف بمطلق التغير كما تشعر به عبارة المصنف وهو الاوفق بالحكمة، إذ الظاهر ان علة النجاسة غلبة النجس على الظاهر حتى صار مقهورا معه فيضعف حكمه، وصدق التغير عليه بهذا المعنى حاصل على التقديرين، فكيف يدعى صحة سلبه عنه إذا لم يكن حسيا ؟ ” انتهى كلامه زيد مقامه (منه رحمه الله).


[ 183 ]

شدة وضعفا، وكأن التزام المجيب بالتنجيس في هذه الصورة ودعواه الاجماع ودفع للشناعة اللازمة من القول بالطهارة على هذا التقدير، وإلا فمقتضى ما قرروه يقتضي كون الحكم كليا مع الاستهلاك وعدمه، وظاهر عبائر جملة منهم العموم. واستدلال المحقق المذكور بذلك مبني على ما قلنا من فهمه العموم من كلامهم، والا لم يتجه دليله. والظاهر ان العلة في دعوى الاجماع المذكور إنما هو ما ذكرنا، ولهذا ان جملة ممن تعرض للجواب عن هذا الكلام ومنهم: شيخنا الشهيد الثاني في الروض إنما ردوه بانه مجرد استبعاد بل صرح بعض متأخري المتأخرى بالتزامه مع عدم ثبوت الاجماع على خلافه. ويؤيد ذلك ايضا (1) ما صرحوا به في المضاف المسلوب الاوصاف إذا وقع في الماء، من وجوب اعتباره إما بقلة الاجزاء وكثرتها أو بتقديره مخالفا في الاوصاف على اختلاف القولين، وإذا وجب الاعتبار في المضاف ففي النجاسة اولى. ونقل عن العلامة في اكثر كتبه القول بالثاني، وتبعه ابن فهد في موجزه، ورجحه المحقق الثاني في شرح القواعد، ونفى عنه البعد شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين. واحتج عليه في المختلف بان التغير الذي هو مناط النجاسة دائر مع الاوصاف فإذا فقدت وجب تقديرها. ورد بانه اعادة للمدعى. ويمكن الجواب بما قدمنا تحقيقه من ان المدار لما كان على التغير في نفس الامر


(1) انما ذكرنا ذلك على جهة التأييد لكسر سورة الاستبعاد فيما قلناه دون ان يكون دليلا كما ذكره المحقق الثاني (ره) لتطرق القدح إليه بكونه قياسا وان كان قياس اولوية. ومنع بعض المتأخرين الاولوية هنا محض مكابرة، فانه إذا وجب التقدير في المضاف ليترتب عليه الاجتناب فيما يشترط بالماء المطلق من الطهارة مثلا فبالطريق الاولى في النحس ليترتب عليه الاجتناب فيما يشترط بالطاهر من طهارة واكل وشرب ونحوها، إذ دائرة المنع في النجس اوسع منها في المضاف كما لا يخفى (منه قدس سره).


[ 184 ]

لا الظاهر الحسي، لانه ربما منع منه مانع من فقد الاوصاف في النجاسة أو فقد الاوصاف في الماء، وجب تقديره مع وجود المانع المذكور. وبذلك ايضا يظهر وجه الجواب عما اورد على الدليل الذي نقله عنه ابنه فخر المحققين من استدلاله بان الماء مقهور بالنجاسة، لانه كلما لم يصر مقهورا لم يتغير بها على تقدير المخالفة، وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: كلما تغير على تقدير المخالفة كان مقهورا. انتهى. فانه اورد عليه منع الكلية الاولى، فان المخالف بقول بعدم صيرورة الماء مقهورا مع تغيره بالنجاسة على تقدير المخالفة، وعلى ما حققناه يمكن أن يكون مراده انه كلما لم يكن الماء مقهورا في نفس الامر لم يتغير على تقدير المخالفة، لا انه كلما لم يكن مقهورا شرعا ليتوجه عليه ان المخالف يقول بعدم صيرورة الماء مقهورا مع تغيره بالنجاسة على تقدير المخالفة. وبذلك يظهر سقوط منع كليته الاولى. وبالجملة فالمسألة لما ذكرنا لا تخلو من الاشكال، والاحتياط في التقدير ان لم يكن متعينا كما لا يخفى على الناقد البصير، إلا ان تتوقف عليه عبادة مشروطة بالطهارة أو بازالة النجاسة، فيعود الاشكال بحذافيره. فوائد (الاولى) – لو اشتمل على صفة تمنع من ظهور التغير فيه كما لو تغير بجسم طاهر يوافق لونه لون النجاسة كتغيره بطاهر أحمر، ثم وقع فيه دم فالذي قطع به متأخروا الاصحاب من غير خلاف معروف في الباب هو وجوب تقدير خلو الماء من ذلك الوصف كما عرفت آنفا، وكأنهم لحظوا في الفرق بين هذا الموضع وبين كانت النجاسة مسلوبة الاوصاف، حيث اوجبوا التقدير هنا دون هناك ان المراد بالتغير هو التغير الحسي كما تقدم. والتغير هنا ظاهر حسا لو خلينا وذات الماء وذات النجاسة، بخلاف ما هناك، لكون النجاسة عارية عن الاوصاف. وفيه ان خلو


[ 185 ]

النجاسة عن الاوصاف لا يخرجها عن تنجيس ما تلاقيه، والمنجس ليس هو اوصافها وانما المنجس عينها. على ان الخلو عن الاوصاف غالبا انما يكون بعارض من خارج لا من أصل الخلقة، كما هو المشاهد في جميع المطعومات والمرئيات، وحينئذ فكما يقدر خلو الماء عن ذلك الوصف الموافق للون النجاسة لكونه عارضا، ينبغي ان يقدر خلو النجاسة عن هذا العارض الذي ازال وصفها. (الثانية) هل المعتبر على تقدير القول بالتقدير هو الوصف الاشد للنجاسة كحدة الخل وذكاء المسك وسواد الحبر، لمناسبة النجاسة تغليظ الحكم. أو الوسط لانه الاغلب ؟ ظاهر العلامة في النهاية والشهيد في الذكرى الاول، وبعض المتأخرين الثاني، واستظهره المحقق الثاني ورجحه في المعالم، واحتمل بعض فضلاء متأخري المتأخرين اعتبار الاقل تغليبا لجانب الطهارة. والظاهر ان الاوسط اوسط. واحتمل المحقق الثاني (قدس سره) ايضا اعتبار أوصاف الماء وسطا، نظرا إلى شدة اختلافها كالعذوبة والملوحة والرقة والغلظة والصفاء والكدرة، قال: ” ولا يبعد اعتبارها، لان له فيها أثرا بينا في قبول التغير وعدمه ” انتهى قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: ” وهو محتمل حيث لا يكون الماء على الوصف القوي، إذ لا معنى لتقديره حينئذ بما هو دونه ” انتهى. واستشكله ايضا بعضهم بما إذا لم يكن الماء خارجا عن اوصافه الاصلية. (الثالثة) لو لم يكن الماء على الصفات الاصلية كسائر المياه كالمياه الزاجية والكبريتية وكانت النجاسة على صفاتها ولم تغيره باعتبار ما هو عليه من الصفات، لكن لو فرض خلوه منها لغيرته، فهل يجب التقدير هنا أم لا ؟ لم أقف لاحد من الاصحاب (رضوان الله عليهم) على كلام في ذلك. ومقتضى النظر ان الكلام هنا كالكلام فيما لو تغير الماء بجسم طاهر يوافق لونه لون النجاسة، ومقتضى حكمهم بوجوب التقدير، هناك هو وجوبه هنا ايضا.


[ 186 ]

إذ لا فرق بين المقامين إلا باعتبار ان خروج الماء عن صفته الاصلية هناك باعتبار وقوع هذا الجسم فيه اخيرا، وخروجه هنا باعتبار كون الارض كبريتية أو زاجية فاتفق تكيفه برائحتها، أو باعتبار موافقة لون ذلك الجسم الطاهر الذي تغير به الماء للون النجاسة في احدى الصورتين، ومخالفته لها على وجه يستر رائحتها في الصورة الاخرى. وكل منهما لا يصلح وجها للفرق الموجب لتغاير الحكم، إلا ان بعض محققي متأخرى المتأخرين استظهر ان الكلام هنا كالكلام في النجاسة المسلوبة الاوصاف دليلا وجوابا وظاهره ان النجاسة في هذه الصورة باعتبار ما عليه الماء من الصفات لم تغيره واقعا، بخلاف الصورة التي تغير فيها بجسم طاهر، فانه تغير واقعا وان لم يظهر للحس بسبب الوصف العارضي. ولا يخفى ما فيه، فان الواقع المعتبر القياس إليه، ان لوحظ مع قطع النظر عن العارض فالتغير ثابت في الصورتين، وإلا فلا فيهما. وقد عرفت ان الوجه الفارق لا يوجب تغايرا يترتب عليه ما ذكره (1).


(1) ثم انى وقفت بعد ذلك على كلام لشيخنا البهائي (عطر الله مرقده) في كتاب الحبل المتين يؤيد ما رجحناه، حيث قال: ” وقد يستفاد – من قوله (عليه السلام) في الحديث الثاني: ” كل ما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب ” – انه لو كان للماء رائحة كالمياه الزاجية والكبريتية مثلا فسترت رائحة الجيفة، لم ينجس وان كان بحيث لو خلا الماء من تلك الرائحة لظهرت، لصدق غلبة الماء على ريح الجيفة. والحديث السابع من الفصل الثاني كالصريح في ذلك. لكن الحق صرفهما عن ظاهرهما. وتقدير الماء خاليا من رائحته الاصلية. انتهى ” واشار بالحديث السابع إلى حسنة زراة، قال: ” إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ الا ان تجئ له ريح تغلب على ريح الماء ” وكأن ذلك الفاضل لم يقف ايضا على كلام شيخنا المذكور، حيث انه ذكر ايضا انه لم يقف على كلام لاحد من الاصحاب في ذلك. اقول: ومما يؤيد ما ذكرنا ايضا ان الاحكام المودعة في الاخبار إنما تحمل على الافراد الغالبة الشائعة كما صرحوا به، وحينئذ فالمعتبر في الغلبة وعدمها هو المياه =


[ 187 ]

(الرابعة) لو تغيرت رائحة الماء بمرور رائحة النجاسة القريبة لم ينجس الماء قولا واحدا، لان الرائحة ليست بنجاسة فلا تؤثر تنجيسا. (الخامسة) لو حصل التغير بالمتنجس لا بالنجاسة على وجه لا يسلبه الاطلاق فالاظهر الاشهر عدم التنجيس، وللشيخ (رحمه الله تعالى) خلاف ضعيف يأتي الكلام عليه في بحث المضاف ان شاء الله تعالى.

(المقالة الرابعة) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل ادعى في المعتبر عليه الاجماع ان الجاري مطلقا وان نقص عن الكر لا ينجس بمجرد الملاقاة، وذهب العلامة في جملة من كتبه إلى اشتراط الكرية فيه كالراكد، ويظهر من شيخنا الشهيد الثاني في الروض الميل إليه، بل صرح ابنه المحقق الشيخ حسن في المعالم بانه ذهب إليه في جملة من كتبه، قال: ” إلا أن الذي استقر عليه رأيه بعد ذلك هو المذهب المشهور ” (1) ونقل في الروض عن جملة من المتأخرين ايضا موافقة العلامة على هذه المقالة. احتج القائلون بالاول باصالة الطهارة، فان الاشياء كلها على الطهارة الا ما نص الشارع على نجاسته، لانها مخلوقة لمنافع العباد، ولا يتم النفع إلا بطهارتها. وبالاخبار المتقدمة في سابق هذه المقالة (2) لدلالتها على طهارة كل ماء ما لم يتغير، خرج عنه القليل الراكد بالدليل، فيبقى ما عداه داخلا تحت العموم.


= العارية عن هذه العوراض. واما هذه فتحمل على تلك وتقدر فيها الغلبة وعدمها (منه رحمه الله). (1) وممن جنح إلى هذا القول من متاخري المتأخرين الشارح الجواد في شرح الجعفرية (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 179.


[ 188 ]

وصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: ” ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا ان يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لان له مادة “. وجه الدلالة انه علل فيه نفى الانفعال بوجود المادة، والعلة المنصوصة يتعدى بها الحكم إلى كل موضع توجد فيه إذا شهدت الحال بان خصوص متعلقها الاول لا مدخل له فيها. وإلامر ههنا كذلك، فان خصوصية البئر من ذلك القبيل. وشهادة الحال بذلك ظاهرة لمن احاط خبرا باحكام البئر، وحينئذ ينحصر المقتضي لنفي الانفعال في وجود المادة، وهي موجودة في مطلق النابع. وقول الصادق (عليه السلام) فيما روي عنه بعدة طرق، وقد تقدم الاشارة إلى بعضها (2): ” الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر “. وحسنة محمد بن ميسر (3) قال: ” سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ويريد ان يغتسل منه وليس معه اناء يغرف به ويداه قذرتان. قال: يضع يده ويتوضأ ويغتسل، هذا مما قال الله عز وجل: ما جعل عليكم في الدين من حرج ” (4). ويتوجه على الاول (5) ان الطهارة والنجاسة حكمان شرعيان يتوقف الحكم بهما على الدليل الشرعي، ولا مدخل للدليل العقلي فيهما كما لا مدخل له في غيرهما


(1) المروية في الوسائل في الباب – 3 و 14 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) في الصحيفة 177. السطر 5. ورواه صاحب الوسائل في الباب – 1 من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب – 8 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة، (4) سورة الحج. آية 78. (5) وهو اصالة الطهارة.


[ 189 ]

من احكام الشرع. وما ذكر هنا في بيانه ضعيف، لحصول المنافع في النجس بل في عين النجاسة ايضا كما لا يخفى (1). وعلى الثاني (2) ما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في الكلام في نجاسة الماء القليل بالملاقاة، من أن ظاهر هذه الاخبار بواسطة القرائن الحالية والمقالية كون ذلك الماء اكثر من كر بل كرور، فلا تدل على ما ذكروه، ولا يحتاج إلى تخصيصها بما دل على نجاسة الماء القليل بمجرد الملاقاة. وعلى الثالث (3) (اولا) ما عرفت في المقدمة الثالثة (4) من الكلام في حجية منصوص العلة وان الحجة منه هو ما يرجع إلى تنقيح المناط القطعي، وكأنه لهذا قيد المستدل في بيان الاستدلال الحجية بشهادة الحال بان خصوص متعلقها الاول لا مدخل له، فمرجعها إلى تنقيح المناط المذكور، الا ان فيه ان شهادة الحال بذلك في هذا المقام لا تخلو من اشكال، وبدونه لا يتم الاستدلال. و (ثانيا) ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين من احتمال ان يكون قوله (عليه السلام): ” لان له مادة ” تعليلا لترتب ذهاب الريح وطيب الطعم على النزح، كما يقال: لازم غريمك حتى يعطيك حقك، لانه يكره ملازمتك. وكما يقال: الزم الحمية حتى يذهب مرضك، فان الحمية رأس الدواء. قال: ومثل ذلك كثير. ومع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال. والظاهر انه لا يخلو من بعد، فان ذهاب الريح وطيب الطعم بالنزح امر بديهي محسوس لا يحتاج إلى علة، فحمل الكلام عليه مما يخرجه عن الفائدة، ولا يليق


(1) فانه قد تكون المصلحة في خلقه دفع الاذى كفضلة الانسان أو ابتلاء الخلق كخلق المسكرات ونحو ذلك (منه رحمه الله). (2) وهى الاخبار المتقدمة في الصحيفة 179. (3) وهى صحيحة ابن بزيغ المتقدمة في الصحيفة 188 السطر 1. (4) في الصحيفة 60.


[ 190 ]

حينئذ نسبته بكلام الامام الذي هو إمام الكلام. وعلى الرابع (1) ما تقدم تحقيقه في المقدمة الحادية عشرة (2) من ان ظاهر الخبر المذكور وهو القدر المتيقن فهمه منه ان الماء كله طاهر حتى يعلم عروض النجاسة له فافراد هذه الكلية إنما هي المياه الطاهرة شرعا والمقطوع بطهارتها، فانه يستصحب الحكم فيها بذلك حتى تعلم النجاسة. والغرض منها عدم معارضة الشك بعروض النجاسة ليقين الطهارة التي هي عليه شرعا، لا ان افرادها ما شك في كونه سببا للنجاسة، كنقصان الجاري عن الكر مثلا هل يكون موجبا لانفعاله بالملاقاة ام لا ؟ فيحكم بطهارته بهذا الخبر. والفرق بين المقامين ظاهر. ونظيره ما ورد مفسرا في موثقة مسعدة بن صدقة (3) من قوله (عليه السلام): ” كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، ومملوك عندك وهو حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، وامرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك. والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة “. وحينئذ فافراد هذه الكلية كما ذكره (عليه السلام) هي الاشياء المحكوم بحلها شرعا والمعلوم حليتها قطعا. فانه يستصحب الحكم فيها بذلك حتى يظهر دليل الحرمة وان كانت مما حرمه الشارع بالنسبة إلى العالم بذلك، ولا تخرج عن أصل الحلية المقطوعة بمجرد الشك في حرمتها، لا ان افرادها ما شك في حليته كالمتولد من نجس العين وطاهرها مع عدم المماثل مثلا، فيقال: ان مقتضى هذا الخبر حله ومقتضى قوله (عليه السلام): ” كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر ” (4) طهارته.


(1) وهو الحديث المتقدم في الصحيفة 188 السطر 9. (2) في الصحيفة 124 السطر 13. (3) تقدم الكلام فيها في التعليقة (2) في الصحيفة 141. (4) تقدم الكلام فيه في التعليقة 1 في الصحيفة 42.


[ 191 ]

وبالجملة فمورد الخبرين الاشياء المعلومة الطهارة والنجاسة، وانه لا يدخل أحد افراد الاول في الثاني إلا مع العلم واليقين، والاشياء المعلومة الحل والحرمة وانه لا يدخل أحد افراد اولهما في الثاني الا مع العلم ايضا. وعلى الخامس (1) ان الماء القليل في الخبر المذكور وان شمل بعمومه الجاري والراكد، إلا ان وصفه بالقلة ان اخذ على ظاهره كما هو ظاهر الاستدلال كان الخبر من أقوى أدلة عدم نجاسة القليل بالملاقاة. وتخصيصه بالجاري خاصة بناء على قيام الدليل على نجاسة القليل بالملاقاة بعيد من سياق اللفظ، فالاظهر حمل القلة فيه على المعنى العرفي دون الشرعي، أو حمله على التقية كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى (2). احتج العلامة (رحمه الله) بعموم الاخبار الدالة على اشتراط الكرية في الماء بقولهم (عليهم السلام) (3): ” إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ ” فان تقييد عدم انفعال الماء ببلوغ الكرية يقتضي انفعال الماء بدونه، وهو شامل للجاري والراكد. وتدل على ذلك صحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (4) قال: ” سألته عن الدجاجة والحمامة واشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء. يتوظأ منه للصلاة ؟ قال: لا، إلا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من الماء ” وهي بظاهرها شاملة لما كان جاريا أو راكدا (5).


(1) وهى حسنة محمد بن ميسر المتقدمة في الصحيفة 188 السطر 11. (2) في المقام الاول من الفصل الثالث عند الكلام في رد دلالة الاخبار المستدل بها على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة. (3) المروى في الوسائل في الباب – 9 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة والنص الوارد: ” إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ” (4) المروية في الوسائل في الباب – 8 و 9 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) واجاب المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المعالم عن عموم المفهوم. قال: ” والجواب – على تقدير تسليم العموم بحيث يتناول محل النزاع – انه مخصوص بصحيح =


[ 192 ]

واجيب بمنع العموم. لفقد اللفظ الدال عليه، ومع تسليمه فيقال: عامان تعارضا من وجه فيجب الجمع بينهما بتقييد أحدهما بالآخر، والترجيح في جانب الطهارة بالاصل والاجماع وقوة دلالة المنطوق على المفهوم. هكذا أجاب السيد في المدارك. ولا يخلو من نظر (اما أولا) فلان منع العموم هنا مع تصريحه هو (قدس سره) وغيره من محققي الاصحاب بل وغيرهم بان المعرف بلام الجنس في كلام الشارع عند عدم قرينة العهد للعموم قضية للحكمة ليس في محله، كيف ؟ ولو تم المنع المذكور لم يتم له الاستدلال بصحيحة حريز المتقدمة (1) وامثالها في الطرف الآخر، لجواز ان يراد بلفظ الماء فيها بعض افراده وهو غير الجاري، بل قد استدل هو نفسه (قدس سره) على مساواة مياه الحياض والاواني لغيرها في عدم انفعال الكر منها بالعمومات الدالة على عدم انفعال الكر بالملاقاة مطلقا، ردا على ما ذهب إليه المفيد في المقنعة وسلار، فيكف يمنع العموم هنا ؟ وما ذكره المولى الاردبيلي (طاب ثراه) في المقام من ان القول بالمفهوم لا يستلزم القول بعمومه هنا، لان الخروج من العبث واللغو يحصل بعدم الحكم في بعض المسكوت عنه، وذلك كاف وفيما نحن فيه يصدق انه إذا لم يكن الماء كرا ينجسه شئ من النجاسات بالملاقاة في الجملة، وذلك يكون في الراكد، وكفى ذلك لصحة المفهوم لو تم لبطل الاستدلال بهذا المفهوم على نجاسة الماء القليل بالملاقاة، مع انه عمدة ادلتهم على ذلك المطلب، وذلك فان مقتضى منطوق ” إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ ” (2) عدم تنجيس شئ من النجاسات


= ابن بزيع لدلالته على ان وجود المادة سبب في نفى الانفعال بالملاقاة، فلو كانت الكرية معتبرة في ذى المادة لكانت هي السبب في عدم الانفعال، فلا يبقى للتعليل بالمادة معنى ” انتهى وفيه ما عرفت من الصحيحة المذكورة آنفا (منه رحمه الله). (1) في الصحيفة 179 السطر 1. (2) تقدم الكلام في التعليقة 3 في الصحيفة 191


[ 193 ]

للماء بعد بلوغه كرا، ومفهومه تنجيس شئ له مع عدم البلوغ. ويكفي للخروج ممن العبث واللغو كما ذكره (قدس سره) حصول الحكم في بعض المسكوت عنه، وهو تنجيسه بالنجاسة المغيرة للماء، سيما مع كون (شئ) نكرة في سياق الاثبات، وهو خلاف ما صرحوا به في المقام من ارادة العموم من لفظ (شئ) كما سيأتيك تحقيقه ان شاء الله تعالى في بيان نجاسة الماء القليل بالملاقاة. وبالجملة فكما ان لفظ (الماء) في المنطوق للعموم فكذا في المفهوم، ومثله لفظ (شئ) فيهما، ودلالته على العموم بتقريب ما ذكرنا آنفا مما لا مجال لانكاره. و (اما ثانيا) فلان ما ذكره من تعارض العمومين بناء على دلالة صحيحة حريز وامثالها (1) على ان كل ماء طاهر ما لم يتغير محل نظر، لعدم تسليم العموم من تلك الاخبار كما أشرنا إليه (2) وسيأتيك ان شاء الله تعالى (3) ما فيه زيادة تنبيه عليه، وحينئذ فلا عموم في ذلك الطرف ويبقى عموم المفهوم سالما من المعارض. ثم انه على تقدير تسليم العموم كما يدعونه فالاظهر تخصيصه بعموم المفهوم المؤيد بمنطوق صحيحة علي بن جعفر المتقدمة (4)، وإلا فبالصحيحة المذكورة ان نوقش في تخصيص العام بالمفهوم، بناء على منع بعض الاصوليين ذلك مطلقا أو إلا ان تكون دلالته أقوى من دلالة العام على الفرد الذي يخصص به، فانه يخصص به العام حينئذ، وإلا فلا.


(1) المتقدمة في الصحيفة 179. (2) في الصحيفة 189 السطر 3. (3) في المقام الاول من الفصل الثالث عند الكلام في رد دلالة الاخبار المستدل بها على عدم نجاسة الماء القليل بالملاقاة. (4) في الصحيفة 191 السطر 12.


[ 194 ]

على ان التحقيق عندي كما سيأتيك بيانه ان شاء الله تعالى (1) ان دلالة هذه الاخبار على نجاسة القليل بالملاقاة لا تنحصر في مفهوم مخالفتها، بل المتبادر منها بقرينة المقام ان مقصودهم (عليهم السلام) بيان المعيار الفارق بين ما ينجس بملاقاة النجاسة وبين ما لا ينجس، فههنا في التحقيق دلالتان كما سيتضح لك في محله ان شاء الله تعالى. و (اما ثالثا) فلان ما ذكره من تعارض العمومين من وجه، فيه ان الظاهر ان مراده من العمومين عموم المفهوم القائل: ان كل ماء قليل ينجس بالملاقاة وعموم المنطوق الذي نطقت به الروايات الدالة على ان كل ماء لا ينجس ما لم يتغير، القائل بان كل ماء لا ينجس بمجرد الملاقاة. وانت خبير بان النسبة بين هذين العمومين هو العموم والخصوص المطلق لا من وجه. وعموم المفهوم أخص مطلقا. ومقتضى القاعدة المقررة تقديم العمل به وتخصيص العام به، وحينئذ فالدليل عليه لا له. و (اما رابعا) فلان ترجيحه (قدس سره) جانب الطهارة بالاجماع مع ان الاجماع عندهم دليل قطعي فلا يحتاج معه إلى الترجيح محل نظر لا يخفى، فكان الاولى أن يقول: ونقل الاجماع. هذا ما اقتضاه النظر العليل وخطر بالفكر الكليل والاحتياط حيثما توجه اوضح سبيل.

(المقالة الخامسة) اشترط شيخنا الشهيد في الدورس في الجاري دوام النبع، وتبعه في هذا الشرط الشيخ جمال الدين احمد بن فهد في موجزه. قال في الدروس: ” ولا يشترط فيه الكرية على الاصح. نعم يشترط فيه


(1) في المقام الاول من الفصل الثالث عند الكلام في رد الوجه الخامس من الوجوه التى استدل بها المحدث الكاشانى على عدم انفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة.


[ 195 ]

دوام النبع ” فعنده الشرط فيه احد الامرين: اما الكرية أو دوام النبع. واختلف كلام من تأخر عنه في فهم معنى هذا الكلام وما المراد منه. فقيل: ان المراد بدوام النبع عدم الانقطاع في اثناء الزمان ككثير من المياه التي تخرج زمن الشتاء وتجف في الصيف، وهو الذي صرح به شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان، ولذلك اعترض عليه وطالبه بالدليل. ولا ريب ان هذا المعنى هو الاربط باللفظ والاقرب إليه، لكونه المتبادر منه عرفا، ولكنه مما يقطع بفساده. (أما الاول) فلانه لا شاهد له في الاخبار، ولا يساعد عليه الاعتبار، فهو تخصيص لعموم الادلة بمجرد التشهي. و (اما ثانيا) فلان الدوام بالمعنى المذكور، ان اريد به ما يعم الزمان كله فلا ريب في بطلانه، إذ لا سبيل إلى العلم به، وان خص ببعضها فهو مجرد تحكم. وبالجملة فالظاهر ان فساده مما لا يخفى على ذلك المحقق النحرير، فساحة شأنه أجل من ان يجري منه به قلم التحرير. وقيل: ان المراد بدوام النبع استمراره حال ملاقاة النجاسة، وهذا هو الذي ذكره المحقق الشيخ علي بعد ان اطال في التشنيع على من فسر تلك العبارة بالمعنى الاول واستحسن هذا المعنى جملة ممن تأخر عنه، وهو وان كان خلاف ظاهر اللفظ إلا انه في حد ذاته مستقيم، إذ متى كان حال ملاقاة النجاسة غير مستمر النبع كان بمنزلة القليل. وانت خبير بان مرجعه إلى اعتبار المادة، وحينئذ فلا يزيد على اشتراط الجريان إذ الجاري كما عرفت هو النابع، فزيادة هذا القيد حينئذ ليس بمحل من الفائدة. وبعض محققي متأخري المتأخرين وجه كلام المحقق المذكور فقال بعد نقله واستحسانه: ” وتقريبه ان عدم الانفعال بالملاقاة في قليل الجاري معلق بوجود المادة كما علمت، فلابد في الحكم بعدم الانفعال فيه من العلم بوجودها حال ملاقاة النجاسة،


[ 196 ]

وربما يتخلف ذلك في بعض افراد النابع كالقليل الذي يخرج بطريق الترشح (1) فان العلم بوجود المادة فيه عند ملاقاة النجاسة مشكل، لانه يترشح آنا فآنا، فليس له فيما بين الزمانين مادة، وهذا يقتضي الشك في وجودها عند الملاقاة فلا يعلم حصول الشرط واللازم من ذلك الحكم بالانفعال بها عملا بعموم ما دل على انفعال القليل، لسلامته حينئذ عن معارضة وجود المادة، ولا يخفى ان اشتراط استمرار النبع يخرج مثل هذا ولولاه لكان داخلا في عموم النابع، لصدق اسمه عليه. وهذا التقريب وان اقتضى تصحيح الاشتراط المذكور في الجملة إلا انه ليس بحاسم لمادة الاشكال، من حيث ان ما هذا شأنه في عدم العلم بوجود المادة له عند الملاقاة ربما حصل له في بعض الاوقات قوة بحيث يظهر فيه اثر وجود المادة، واللازم حينئذ عدم انفعاله، مع ان ظاهر الشرط يقتضي نجاسته. ويمكن ان يقال: ان الشرط منزل على الغالب من عدم العلم بوجود المادة في مثله وقت الملاقاة، ويكون حكم ذلك الفرض النادر محالا على الاعتبار، وهو شاهد بمساواته للمستمر ” انتهى كلامه زيد مقامه. وفسر بعض الفضلاء المحدثين من متأخري المتأخرين النابع على وجوه: (احدها) ان ينبغ الماء حتى يبلغ حدا معينا ثم يقف ولا ينبغ ثانيا إلا بعد إخراج بعض الماء. و (ثانيها) ان لا ينبع ثانيا إلا بعد حفر جديد كما هو المشاهد في بعض الاراضي. و (ثالثها) ان ينبع الماء ولا يقف إلى حد كما في العيون الجارية، قال: ” وشمول الاخبار المستفاد منها حكم الجاري للوجه الثاني غير واضح، فيبقى تحت


(1) هذا الكلام مما يدل على كون الماء الخارج بطريق الرشح من جملة النابع كما صرحنا به في المقالة الاولى (منه قدس سره).


[ 197 ]

ما يدل على اعتبار الكرية، وكأن مراد شيخنا الشهيد (رحمه الله) ما ذكرنا، وبذلك اندفع عنه ما اورد عليه ” انتهى.

(المقالة السادسة) قد عرفت مما تقدم (1) انه لا خلاف ولا اشكال في ان الجاري ينجس مع استيلاء النجاسة وغلبتها على أحد أوصافه الثلاثة، وحينئذ فان تغير بعضه اختص بالتنجيس إلا أن يكون الماء ممتدا وينقص ما تحت المتغير عن الكر ويستوعب التغير عمود الماء وهو خط ما بين حافيته عرضا وعمقا فينجس ما تحت المتغير ايضا، لتحقق الانفصال. وناقش بعض محققي متأخري المتأخرين في الحكم بنجاسة ما تحت المتغير في الصورة المذكورة، حيث قال بعد نقل الحكم المذكور: ” وهذا الحكم وان كان مشهورا فيما بين المتأخرين لكن ليس له وجه ظاهر، إذ يتخيل حينئذ انه ينقطع اتصاله بما فوق فيصير في حكم القليل. وليس بمسلم، إذ الانقطاع إنما يحصل بانقطاع الماء وعدم جريانه إليه بالاتصال. وفيما نحن فيه ليس كذلك، إذ الماء يجري إلى ما تحت، غايته في البين ماء نجس. والحاصل ان الاصل الطهارة وعموم دلائل انفعال القليل قد عرفت حاله، فلابد في نجاسة هذا الماء من دليل، ولا دليل عليه إلا ان يتمسك بالشهرة أو عدم القول بالفصل. وفي الكل نظر لكن الاحتياط فيه ” انتهى. وهو غريب، فانه ان سلم نجاسة القليل بالملاقاة كما يعطيه صدر كلامه فلا ريب انه يصدق على هذا الماء كونه كذلك. واتصاله بالجاري بواسطة الماء المتغير بالنجاسة على الوجه المذكور ليس باتصال. وان منعها أو منع عموم ادلتها على وجه يشمل موضع البحث فهي مسألة اخرى يأتي تحقيقها ان شاء الله تعالى (2).


(1) في المقالة الثالثة في الصحيفة 178. (2) ياتي تحقيق نجاسة القليل بالملاقاة وعدمها في المقام الاول من الفصل الثالث =


[ 198 ]

ثم ان للحكم المذكور زيادة على ما ذكرنا صورا تختلف باختلاف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في اعتبار استواء السطوح وعدمه كما سيأتي تفصيله ان شاء الله تعالى (1). وجملة صور المسألة ان يقال: إذا تغير بعض الجاري فاما ان يكون متساوي السطوح اولا، وعلى التقديرين اما ان يقطع التغير عمود الماء على ما قدمنا (2) أو لا وعلى الاول اما ان يبلغ ما ينحدر عن المتغير مقدار الكر أو لا. فهذه صور ست: (الاولى) كون السطوح متساوية ولا يقطع التغير عمود الماء. ولا اشكال في اختصاص المتغير بالتنجيس إذا بلغ الباقي كرا، ومع عدمه فيبنى على الخلاف المتقدم (3) من اشتراط كرية الجاري في عدم الانفعال وعدمه. (الثانية) الصورة بحالها ولكن استوعبت النجاسة عمود الماء وكان المنحدر عن المتغير كرا، وحينئذ فما فوق المتغير مما يلي المادة ان كان اكثر من كر فالحكم كما في الصورة الاولى، وإلا بني على الخلاف المتقدم (4) ايضا. وربما قيل هنا بعدم انفعاله لو كان قليلا وان اعتبرت الكرية، معللا بان جهة المادة في الجاري اعلى سطحا من المتنجس فلا ينفعل به. ورد بانه ليس بشئ، لان الجريان يتحقق مع مساواة السطوح كما يشهد به العيان. (الثالثة) الصورة الثانية بحالها إلا ان ما ينحدر عن المتغير دون الكر،


= ويأتى الكلام في عموم ادلة النجاسة بالملاقاة لموضع البحث وعدمه في المقام الرابع من الفصل الثالث. (1) في المسألة الثانية من الفصل الثاني. (2) في الصحيفة 197 السطر 6. (3) و (4) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187.


[ 199 ]

ولا ريب في نجاسته مع المتغير، لقلته وانفعاله، وحكم ما فوق المتغير كما في سابقتها. واحتمل بعض المحدثين (1) عدم تنجس ما تحت المتغير، قال: ” لانه هارب عن المتغير واستلزام مجرد الاتصال التنجيس غير ثابت ” انتهى. (الرابعة) ان تختلف السطوح ولم تستوعب النجاسة عمود الماء، وحكمها كما في الصورة الاولى. (الخامسة) الصورة بحالها ولكن استوعب النجاسة عمود الماء وكان ما بعد المتغير مما يبلغ الكر، والكلام في هذه الصورة مبني على الخلاف الآتي بيانه ان شاء الله تعالى (2) في اشتراط استواء سطوح مقدار الكر من الواقف وعدمه، فعلى الاشتراط ينجس ما تحت المتغير ايضا، وعلى تقدير عدمه يختص التنجيس بالمتغير. واما فوق المتغير فان كان فوقيته محسوسة فهو طاهر قطعا وان اعتبرنا الكرية في الجاري وكان أقل من كر، لانه أعلى من النجس فلا يؤثر فيه، وان كان انزل فيبنى على الخلاف المتقدم (3). (السادسة) الصورة بحالها ولكن المنحدر عن المتغير اقل من كر، ولا ريب في نجاسته. وحكم ما فوق المتغير كما في سابقتها. والاحتمال المتقدم (4) جار هنا ايضا هذا كله لو كان الماء ممتدا في قناة ونحوها. اما لو كان مجتمعا في مكانه الذي يخرج منه كمياه العيون الغير الممتدة فانه يختص التنجيس بالموضع المتغير ان كان الباقي كرا والا بني على الخلاف المتقدم (5) وربما امكن ايضا فرض الصور الثلاث الاول لو اتسع


(1) هو المحدث الامين الاسترابادي (قده) وسيجى في كلامه (منه قدس سره). (2) في المسألة الثانية من الفصل الثاني. (3) و (5) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187. (4) في الصحيفة الثالثة.


[ 200 ]

المكان الذي فيه الماء على الينابيع التي تخرج من الارض. ثم اعلم انه لا وجه هنا بناء على المشهور لاعتبار استواء السطوح في عدم الانفعال بالملاقاة كما سيأتي في الكثير من الراكد، لكن يتجه على قول العلامة باعتبار ذلك في كثير الراكد عند ملاقاة النجاسة، بناء على ما صرح به في التذكرة كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى اعتبار ذلك هنا ايضا في مقدار الكر من الجاري، لقوله بانفعاله بالملاقاة. لكنه (رحمه الله) في جملة من كتبه اطلق القول عند تغير البعض من الجاري باختصاص النجاسة بالمتغير دون ما فوقه وما تحته تساوت سطوحه أو اختلفت وهو لا يخلو من تدافع. الا ان يقال: ان اجماله في الكلام هنا احالة على ما علم تفصيله بالتأمل في مقتضى قواعده المقررة في تلك المسألة (1). واعتذر عنه بعض محققي متأخري المتأخرين بان عدم تعرضه هنا لذلك كأنه يرى للجاري خصوصية عن الواقف في الجملة وان شاركه في انفعال قليله بالملاقاة، ولعل الخصوصية كون الغالب فيه عدم الاستواء، فلو اعتبرت المساواة على حد ما ذكره في الواقف، للزم الحكم بتنجيس الانهار العظيمة بملاقاة النجاسة اوائلها التي تبلغ مقدار الكر ولو بضميمة ما فوقها، وذلك معلوم الانتفاء.


(1) قال في القواعد: ” ولو تغير بعضه بها نجس دون ما قبله وما بعده “. وقال الشيخ علي (ره) في شرحه بعد كلام في المقام: ” واطلاق عبارة المصنف تخرج على المذهب الاصحاب لا على اشتراط الكرية في الجارى، وهكذا صنع في غير ذلك من مسائل الجارى ” انتهى. وقال في التذكرة: ” لو تغير الجارى اختص المتغير منه بالتنجيس وكان غيره طاهرا، ثم قال: الثاني – لو كان الجارى أقل من كر نجس بالملاقاة للملاقى وما تحته وفى احد قولي الشافعي انه لا ينجس إلا بالتغير ” انتهى. فانظر إلى هذا الاختلاف. ويحتمل ان يكون اطلاقه في جميع هذه الموارد محمولا على الجارى الذى هو كر فصاعدا وان الباقي بعد التغير لو تغير بعضه كر فصاعدا. والله العالم (منه رحمه الله). (25)


[ 201 ]

(المقالة السابعة) قد عرفت (1) ان الجاري مطلقا بناء على المشهور لا ينجس إلا بتغيره، وحينئذ فطهره، على ما صرح به الاصحاب من غير خلاف فيه بينهم بتدافع الماء من المادة وكثرته عليه حتى يستهلكه ويزول التغير، هذا ان اشترطنا في تطهير الماء الامتزاج كما هو أحد القولين، وان اكتفي بمجرد الاتصال كما هو القول الآخر اكتفي بمجرد زوال التغير، لمكان المادة، وبذلك صرح جمع من متأخري المتأخرين منهم: السيد في المدارك. ونقل عن بعض الاصحاب انه بناء على القول الاخير يتوقف طهره هنا على التدافع والكثرة، نظرا إلى ان الاتصال المعتبر في التطهير هو الحاصل بطريق العلو أو المساواة وذلك بالنسبة إلى المادة غير متحقق، لانها باعتبار خروجها من الارض لا تكون إلا أسفل منه (2) وفي التعليل منع ظاهر. واعلم انا لم نقف في شئ من الاخبار على تطهير الماء النجس سوى ما ورد في البئر وفي باب الحمام. ويمكن الاستدلال هنا على الطهارة بالوجه المذكور بما رواه ثقة الاسلام في الكافي (3) عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: ” ان ماء الحمام


(1) في المقالة الرابعة في الصحيفة 187. (2) والظاهر انه إلى هذا القول يميل كلام المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في كتاب المعالم، حيث قال – بعد نقل القول المذكور ونقل القول بالاكتفاء بمجرد زوال التغير – ما صورته: ” والتحقيق انه ان كان للمادة نوع علو على الماء النجس أو مساراة فالمتجه الحكم بالطهارة عند زوال التغير بناء على الاكتفاء بالاتصال، وإلا فاشتراط التكاثر والتدافع متعين ” انتهى. وهو ذلك القول بعينه الا ان فيه استدراكا على ذلك القائل، حيث ان ظاهر كلامه ان المادة لا تكون الا اسفل واوجب التدافع والتكاثر، مع ان المادة قد تكون أعلى أو مساوية بان تكون في ارض مرتفعة كما ذكر المحقق المذكور (منه رحمه الله). (3) في الباب – 10 – من كتاب الطهارة وفى الوسائل في الباب – 7 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.


[ 202 ]

كماء النهر يطهر بعضه بعضا “. هذا على تقدير القول المشهور، واما على ما مذهب إليه العلامة من اشتراط الكرية في عدم الانفعال، ففيه اشكال، لانه متى تغير الجاري على وجه لا يبلغ الباقي كرا فلا يطهر إلا بمطهر من خارج، لان ما يخرج بالنبع لا يكون إلا قليلا فينفعل بالملاقاة بعد خروجه، وهكذا فيما يخرج دفعة ثانية وثالثة وهكذا، فلا يتصور حصول الطهارة به وان استهلك المتغير، لان الاستهلاك بماء محكوم بنجاسته كما عرفت. وقد اطلق (قدس سره) في كتبه طهارة الجاري المتغير بتكاثر الماء وتدافعه حتى يزول التغير، وعلله في المنتهى والتذكرة بان الطارئ لا يقبل النجاسة لجريانه، والمتغير مستهلك فيه (1) وانت خبير بما فيه، قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين بعد ايراد ذلك على قوله ” ويمكن ان يجعل هذا من جملة الادلة على بطلان تلك الدعوى ” انتهى.

(المقالة الثامنة) قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان حكم ماء الحمام كالجاري إذا كان له مادة، قالوا: والمراد بماء الحمال يعني ما في حياضه الصغار. ثم اختلفوا في اشتراط الكرية في المادة وعدمه، وحينئذ فالبحث هنا يقع في مواضع ثلاثة:


(1) ويظهر – من كلام العلامة (ره) في حكم تغير البئر – انه يرى تعين النزح وان امكن ازالة التغير بغيره، وحمله بعضهم على انه ناظر إلى اشتراط الكرية في عدم انفعاله بكونه من جملة انواع الجارى الذى يعتبر فيه الكرية، فلا تصلح المادة بمجردها للتطهير حيث يزول التغير، قال في المعالم بعد نقل ذلك: ” ولا يذهب عليك ان حكمه – بحصول الطهارة بمثل النزح في مطلق الجاري الذى هو العنوان في الاشتراط – يباين هذا الحمل وينافيه، ولو نظر إلى ذلك في حكم البئر لكان مورد الشرط اعني مطلق الجارى احق بهذا النظر ” انتهى (منه رحمه الله).


[ 203 ]

(الاول) في بيان كونه كالحاري، والظاهر ان المراد من التشبيه عدم نجاسة ما في حياضه الصغار بالملاقاة عند الاتصال بالمادة. ويدل على أصل الحكم صحيحة داود بن سرحان (1) قال: ” قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في ماء الحمام ؟ قال: هو بمنزلة الماء الجاري “. ورواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) ” قلت: اخبرني عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب والصبي واليهودي والنصراني والمجوسي ؟ فقال: ان ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا “. ورواية بكر بن حبيب عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: ” ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة “. وما رواه في كتاب قرب الاسناد (4) عن اسماعيل بن جابر عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) قال: ابتدأني فقال: ” ماء الحمام لا ينجسه شئ “. وما في كتاب الفقه الرضوي (5) قال (عليه السلام): ” وماء الحمام سبيله سبيل الجاري إذا كانت له مادة “. وربما امكن تطرق الاشكال إلى هذا الاستدلال بان ذلك لا يتم إلا بعد معرفة الحيضان التي كانت في زمنهم (عليهم السلام) على اي كيفية كانت ؟ إذ الظاهر ان الاسئلة كانت عن ماء الحمام المعهود عندهم، سيما ان اصل الاضافة للعهد، لكن لا يخفى ان ضم الاخبار المشتملة على اشتراط المادة إلى الاخبار الباقية يعطي بظاهره


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في باب – 7 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) في الصحيفة 128 السطر 9 من المطبوع بطهران سنة 1370، وفى الوسائل في الباب – 7 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) في الصحيفة 4 السطر 32.


[ 204 ]

ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) من ان المراد بماء الحمام ما في حياضه الصغار التي لا تبلغ الكر، والمادة عبارة عن الحوض الكبير الذي يجري منه الماء إلى الحياض الصغار، ولهذا تضمن الخبر الاخير (1) اشتراط مشابهة الجاري بوجود المادة له، ورواية بكر بن حبيب (2) نفي البأس عنه بشرط المادة. والمراد في الخبرين اتصالها به إذ مع عدمه يلحقه حكم القليل حينئذ. ومما ذكرنا علم الكلام في الموضع الثاني ايضا. واما الموضع الثالث فالمشهور بين الاصحاب اشتراط الكرية في المادة استنادا إلى انه مع عدم الكرية يدخل تحت القليل فينفعل بالملاقاة. وذهب المحقق في المعتبر إلى عدم اعتبار كثرة المادة وقلتها، لكن لو تنجس ما في الحياض لم يطهر بمجرد جريانها (3) إليه. ويدل عليه اطلاق صحيحة داود بن سرحان (4) فان جعله بمنزلة الجاري كالصريح في عدم اشتراط الكرية، واطلاق رواية بكر بن حبيب (5) فان المادة فيها أعم من كونها كرا أو دونه. واجيب عن الاولى بعدم التعرض فيها للمادة ولا للقلة والكثرة. واما الثانية


(1) وهو حديث الفقه الرضوي المتقدم في الصحيفة 203 السطر 12. (2) و (5) المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 8. (3) ظاهر كلام المحقق (ره) ان عدم اعتبار قلة المادة وكثرتها مع اتصالها بالحوض الصغير إنما هو لعدم انفعال المجموع بما يلاقيه من النجاسة، وانه كالجاري لذلك وان قل الجميع عن الكر. اما لو انفصلت المادة عن الحوض فتنجس ماء الحوض، لم يطهر بمجرد اجراء تلك المادة إليه بل لابد من كريتها حينئذ، ويكون حكم الحمام حينئذ حكم غيره من الماء القليل إذا اريد تطهير، فانه لابد من القاء الكر عليه دفعة على ما في ذلك من التفاصيل الآتية (منه قدس سره). (4) المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 3.


[ 205 ]

فبضعف السند أولا، وحمل اطلاق المادة فيها على ما هو الغالب من اكثرية المادة كما هو الان موجود، أو ارادة الكثرة من لفظ المادة لاشعارها بذلك. ولئن سلمنا العموم في كلا الخبرين فلا ريب ان عموم اشتراط الكرية أقوى دلالة فيجب تخصيص هذا العموم به. ويرد على ذلك ان عدم التعرض للمادة والقلة والكثرة لا ينفي صحة الاستدلال بالخبر باعتبار عمومه، وتنزيله منزلة الجاري في الخبر المذكور اخرجه عن حكم القليل، فلا يلزم من الحكم بانفعال القليل بالملاقاة الحكم بانفعاله، فانه كما خرج ماء الاستنجاء وماء المطر عن قاعدة الماء القليل بنص خاص، فكذا ماء الحمام ينبغي خروجه بمقتضى النص المذكور. نعم يخرج منه القليل الذي لم يتصل بالمادة اصلا بناء على القول بنجاسة القليل بالملاقاة باجماع القائلين بذلك عليه، ويبقى غيره داخلا في عموم الخبر. وبالجملة فهذه الروايات اخص موضوعا من الروايات الدالة على انفعال القليل بالملاقاة، ومقتضى القاعدة تخصيص تلك بهذه لا العكس. واما ضعف السند في الرواية الثانية (1) فيدفعه جبر ذلك بعمل الاصحاب كما هو مقرر بينهم، وكلا الامرين اصطلاحيان. والحمل على الغالب خلاف الظاهر وخلاف مدلول تلك الصحيحة المذكورة (2). والى هذا القول (3) مال جملة من المتأخرين ومتأخريهم (4).


(1) وهى رواية بكر بن حبيب المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 8. (2) وهى صحيحة داود بن سرحان المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 3. (3) وايد هذا القول بعضهم بالعمومات الدالة على طهارة مطلق الماء، والعمومات الدالة على طهارة مطلق الماء ما لم يتغير (منه رحمه الله). (4) منهم: شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين، فانه نفى عند البعد وايده بنحو ما ذكرنا. والمحدث الكاشانى في الوافى، والمحدث الاسترابادي في تعليقاته على المدارك، والفاضل الخراساني في الذخيرة والكفاية (منه قدس سره).


[ 206 ]

وربما بنى ذلك بعضهم على قاعدة الفرق في نجاسة الماء القليل بين ورود النجاسة عليه ووروده على النجاسة، فحكم هنا بعدم النجاسة من حيث ورود الماء على النجاسة، وجعل ذلك هو السر في عدم تنجس ماء الحمام بمجرد الملاقاة وفي طهارة ماء الاستنجاء، قال: ” فلا حاجة حينئذ إلى اعتبار كرية المادة بل ولا كرية المجموع من المادة وما في الحوض والماء النازل ” ثم اعترض على نفسه بان النجاسة ههنا واردة على ماء الحوض واجاب بان المفروض ورود الماء من المادة على ماء الحوض وتسلطه على ماء الحوض وعلى ما يصيبه من القذر، فلم تكن النجاسة واردة على ما هو حافظ لطهارة ماء الحوض بل الامر بالعكس، ثم قال: ” وقد اتضح مما ذكرناه ان على مذهب من يخص تنجيس القليل بصورة ورود النجاسة عليه يتجه القول بعدم اشتراط الكرية في مادة الحمام ” انتهى. و (فيه اولا) انه ان استند في استثناء ماء الحمام من قاعدة تنجس القليل بالملاقاة إلى هذه الاخبار فهي لا اشعار فيها بهذا التخصيص، بل مقتضى ظاهر التشبيه بالجاري هو عدم الانفعال مطلقا، وكذا ظاهر نفي البأس مع وجود المادة، وكذا ظاهر قوله في رواية قرب الاسناد (1): ” لا ينجسه شئ ” فان ذلك كله يدل بظاهره على عدم انفاله بالملاقاة كيف كانت. و (ثانيا) ام ما ذكره إنما يتم لو كان الماء الجاري من المادة إلى الحوض الصغير آتيا عليه من اعلاه. اما لو كان آتيا من أسفله كما هو معمول في كثر من الحياض فلا يتم ما ذكره. مع ان ورود المادة على الحوض الصغير أعم من ان يكون من جهة العلو أو السفل. و (ثالثا) انه لا يظهر حينئذ التشبيه بالجاري هنا مزية، إذ متى كان


(1) المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 10.


[ 207 ]

حكمه حكم الماء القليل في تنجسه بورود النجاسة عليه دون وروده عليها كما هو مختاره في الماء القليل مطلقا فاي ثمرة لهذا التشبيه ؟ فان ما ذكره حكم عام للماء القليل بجميع افراده وهذا أحدها، بل الظاهر والله سبحانه واولياؤه أعلم من تلك الاخبار المتقدمة (1) الدال بعضها على انه كالجاري مطلقا، وبعضها انه كماء النهر يطهر بعضه بعضا، وبعضها انه لا ينجسه شئ مطلقا وان دل دليل من الخارج على تخصيصه بالتغير بالنجاسة، وبعضها على نفي البأس عنه بشرط المادة ان لماء الحمام خصوصية يمتاز بها عن مطلق الماء القليل، وليس ذلك إلا باعتبار عدم انفعاله بالملاقاة وان قل، بخلاف مطلق الماء القليل، وان خص انفعال مطلق القليل بورود النجاسة عليه دون العكس، كما اختاره القائل المذكور وفاقا لمن سبقه في ذلك ايضا، فلابد هنا من اعتبار عدم الانفعال مطلقا مع القلة ورد على النجاسة أو وردت عليه تحقيقا للخصوصية المميزة المستفاد من تلك الاخبار. وينبغي التنبيه هنا على امور: (الاول) هل يشترط بناء على القول بكرية المادة بلوغ المادة وحدها كرا لتعصم ما في الحياض عن الانفعال بالنجاسة بعد الاتصال، أو يكفي بلوغ المجموع منها ومما في الحياض كرا مع تواصلهما مطلقا ؟ ظاهر اكثر المتأخرين حيث اطلقوا القول بكرية المادة الاول، مع انهم اطلقوا القول بان الغديرين إذا وصل بينهما بساقية وكان مجموعهما مع الساقية كرا، لم ينفعلا بملاقاة النجاسة. وذلك يقتضي أن يكون حكم الحمام اغلظ، مع انه ليس كذلك، لما عرفت من الاخبار المتقدمة (2).


(1) و (2) في الصحيفة 203.


[ 208 ]

وربما اجيب بان اطلاق القول بكرية المادة في الحمام محمول على ما إذا لم يكونا متساويين بناء على الغالب من علو المادة. فاما مع التساوي فيكفي بلوغ المجموع كرا ونقل في المعالم عن بعض الاصحاب التصريح بالتفصيل المذكور، ثم قال: ” وهو الاجود ” واطلاق القول في الغديرين محمول على المتساويين. ورد بان العلامة ايضا قد صرح في الغديرين المختلفين بتقوي الاسفل بالاعلى. واجيب عنه بحمل الاختلاف في الصورة المذكورة على ما إذا كان بطريق الانحدار دون التسنم من ميزاب ونحوه. والغالب في الحمام هو الثاني، وحينئذ فاطلاق القول في الغديرين محمول اما على التساوي أو على الاختلاف الحاصل بالانحدار، فانه متى كان كذلك لم ينفعل شئ منهما، واطلاق القول في الحمام محمول على الاختلاف الحاصل بالتسنم من ميزاب ونحوه (1). ولا يخفى ما في هذه التقييدات من التكلف والتمحل، وكأن محصل الفرق المذكور على هذا التقرير دخول الماء المتساوي السطوح والمختلف على وجه الانحدار في الاخبار الدالة على عدم نجاسة الكر بالملاقاة، ومرجعه إلى حصول الوحدة في الماء على وجه يكون داخلا تحت تلك الاخبار. واما إذا كان متسنما من ميزاب ونحوه فانه ليس كذلك فلا يدخل تحت تلك الاخبار. فاعتبرت كرية المادة في الحمام لكون اتيانها


(1) واجاب بعض متأخرى الاصحاب بان اطلاق الاصحاب اشتراط كرية المادة مبنى على الغالب من كثرة الاخذ من ماء الحوض، فلو لم تكن المادة وحدها كرا لنقص بالاخذ وانفعل، والا فالاجماع قائم على انه يكفى بلوغ المجموع كرا وان اختلفت السطوح ولا يخفى ما فيه حق ان صاحب المعالم عده من المجازفات العجيبة. وبعض آخر عد اطلاق اشتراط الكرية في المادة قولا مغايرا للتفصيل باستواء السطوح وعدمه، ومقتضى ذلك وجود القائل باشتراط كرية المادة وحدها وان استوت السطوح. ولا يخفى ما بين القولين المذكورين من التباعد (منه رحمه الله).


[ 209 ]

على الحياض على ذلك الوجه المقتضي لعدم اتحادها مع ما في الحياض. ولا يخفى ما في هذا التقييد من المخالفة لاطلاق النص واطلاق كلام الاصحاب. فالتحقيق هو ما قدمنا (1) من عدم اعتبار كرية المادة، وان هذا الحكم خارج بالنص، فلا يحتاج إلى ارتكاب هذه التمحلات. على انه قد صرح المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) بان المستفاد من روايات باب الكر تقوي كل جزء منه بالباقي، قال: ” وهذا المعنى موجود في الساكن دون غيره. لعدم تقوي الاعلى بالاسفل في غير الساكن، بل اعتبر الشيخ المحقق ابن العالم الرباني الشهيد الثاني (رحمهما الله تعالى) في كتاب المعالم تقارب اجزاء الماء كما تشعر به روايات هذا الباب ليحصل التقوى المذكور، فان مع تقارب اجزاء الماء النجاسة الواردة عليه تنتشر وتتوزع عليها “. انتهى كلامه (زيد مقامه). واجاب بعض فضلاء متأخري المتأخرين بان الغرض من اشتراط الكرية في المادة وحدها لتطهير الحوض الصغير لا لمجرد عدم انفعالها. ونقل السيد في المدارك عن جده في فوائد القواعد الثاني، لعموم قوله (عليه السلام) في عدة اخبار صحيحة (2): ” إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ” قال: ” وهو متجه، وعلى هذا فلا فرق بين ماء الحمام وغيره ” انتهى. اقول: وهذا القول من شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله) متجه على ما اختاره مما سيأتي ذكره (3) من الحكم بالوحدة بمجرد الاتصال، وان استواء سطح الماء غير معتبر في الكر، فلو بلغ الماء المتواصل المختلف السطوح كرا لم ينفعل شئ منه بالملاقاة


(1) في الموضع الثالث في الصحيفة 204. (2) رواها صاحب الوسائل في الباب – 9 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) في المسألة الثانية من الفصل الثاني.


[ 210 ]

سواء في ذلك الاعلى والاسفل، وسيأتي تحقيق القول في ذلك ان شاء الله تعالى. هذا. وظاهر العلامة في التحرير اعتبار زيادة المادة عن الكر، حيث قال بعد الكلام في الجاري: ” وحكم ماء الحمام حكمه إذا كان له مادة تزيد على الكر ” انتهى وهو غريب (1). (الثاني) لو انفصل ماء المادة عن الحوض وتنجس ماؤه، فهل يطهر بمجرد اتصال المادة به ام يشترط فيه الامتزاج والغلبة ؟ وجهان بل قولان مبنيان على الكلام في تطهير القليل بالقاء الكر عليه كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى (2). واختار العلامة في التذكرة والمنتهى هنا الثاني، واحتج عليه في المنتهى بان الصادق (عليه السلام) حكم بانه بمنزلة الجاري (3)، ولو تنجس الجاري لم يطهر إلا باستيلاء الماء عليه بحيث يزيل انفعاله. مع انه (قد) في التحرير والمنتهى والنهاية في مسألة الغديرين حكم بطهارة النجس منهما باتصاله بالبالغ كرا، وهو مناقض لما حكم به في هذه المسألة، لان المسألتين من باب واحد. كذا اورده عليه جمع من المتأخرين.


(1) وقد تلخص مما ذكرنا من البحث ان الاقوال في المادة خمسة: (احدها) – ما هو المشهور من اعتبار الكرية فيها وحدها حملا لها على التسنم كما اعتبروه وحكموا عليه بالاطلاق (الثاني) – الاكتفاء ببلوغها مع ما في الحوض كرا ايضا، وهو قول الشيخ الشهيد الثاني (الثالث) – عدم اعتبار الكرية ولو نقصت هي مع ما في الحوض عن الكر، وهو ظاهر المحقق والمؤيد بظواهر الاخبار (الرابع) – هو الثالث بعينه لكنه بشرط ورود الماء على النجاسة، وهو اختيار المحدث الامين الاسترابادي. و (خامسها) – ما في التحرير من الزيادة على الكر (منه رحمه الله). (2) في الموضع الاول من المقام الخامس من الفصل الثالث. (3) في صحيحة دارد بن سرحان المتقدمة في الصحيفة 203 السطر 3.


[ 211 ]

ويمكن الجواب عنه (اولا) – بان ظاهر استدلاله في المنتهى بالخبر المذكور على الممازجة في ماء الحمام اختصاص الحكم المذكور بالحمام، لما ذكره الخبر، فكأن حكم الحمام عنده في المسألة المذكورة مستثنى من مواضع تطهير القليل. و (ثانيا) انك قد عرفت ايضا (1) تقييد اطلاق القول في الغديرين بالحمل على المتساويين أو المختلفين بطريق الانحدار دون التسنم، فيمكن حمل كلامه هنا في تلك الكتب بالاكتفاء بمجرد الاتصال على ذلك، بخلاف الحمام، لما عرفت سابقا (2) من كون جريان المادة في الاغلب بطريق التسنم، فلابد فيه من الممازجة. واختار جماعة منهم: شيخنا الشهيد الثاني الاول، بناء على اصله المشار إليه انفا (3) ونقل ايضا عن المحقق الشيخ علي (رحمه الله) واليه مال في المدارك ايضا، واستدلوا على ذلك بما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى في مسألة تطهير القليل (4). ولعل الاظهر هنا الثاني، لان يقين النجاسة لا يحكم بارتفاعه إلا بدلالة معتبرة، والارتفاع بالممازجة مجمع عليه، مع اشعار جملة من النصوص به كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى (5) مع تحقيق في المقام يكشف عن هذه المسألة وامثالها نقاب الابهام. (الثالث) هل يشترط في تطهير الحوض زيادة المادة على الكر بمقدار ما تحصل به الممازجة والغلبة (6) بناء على اشتراط الممازجة. أو بمقدار الماء المنحدر


(1) (2) في الامر الاول في الصحيفة 207. (3) في الصحيفة 209 السطر 16. (4) و (5) في الموضع الاول من المقام الخامس من الفصل الثالث. (6) فلو اتصل بها على وجه لم تحصل الممازجة ونقص الباقي عن الكر، تنجس حينئذ وحينئذ فما لم تحصل الممازجة والحوض باق على النجاسة لابد من كون الباقي على قدر يعصمه من النجاسة وبالجملة فانه يشترط الزيادة على الكرية ما دام الحوض بافيا على النجاسة. فماذا حصلت الممازجة كفى كون الباقي كرا (منه رحمه الله).


[ 212 ]

للحوض المتصل به (1) بناء على مجدر الاتصال ام لا ؟ قولان. صرح بالاول المحقق الشيخ علي والشهيد الثاني، وعللاه بانها لو كانت كرا فقط لكان ورود شئ منها على الحياض موجبا لخروجها عن الكرية، إذ المعتبر كرية المادة بعد الملاقاة، فتقبل الانفعال حينئذ، وهو صريح التحرير كما تقدم (2). وبالثاني صرح السيد السند في المدارك، قال (قدس سره): ” الظاهر الاكتفاء في تطهير ما في الحياض بكيرة المادة، ولا يشترط زيادتها على الكر، وبه صرح في المنتهى في مسألة الغديرين، ويلوح من اشتراطهم في تطهير القليل القاء كر عليه دفعة اعتبار زيادة المادة على الكر هنا ” انتهى. وفيه انك قد عرفت سابقا (3) من مقتضى الجمع بين اطلاقي القول بكرية المادة والقول بالاكتفاء في الغديرين بحصول الكرية من مجموعهما ومن الساقية تقييد المادة بالتسنم، ومن ثم اعتبر فيها الكرية على حدة، وتقييد الغديرين بالتساوي أو الاختلاف على جهة الانحدار، ومن ثم اكتفي بكرية المجموع. وبذلك يظهر لك ما في كلامه من الاستناد إلى ما صرح به في المنتهى في مسألة الغديرين. نعم لقائل أن يقول: ان هذه الزيادة المعتبرة سواء اعتبرت في التطهير بمجرد الاتصال أو المزج لا دليل عليها. قولكم: انها بعد الملاقاة باول جزء منها ينجس الملاقي مع كون الباقي أقل من كر قلنا نجاسة اول المادة باتصالها بالحوض النجس ليس أولى من طهارة النجس باتصالها به، فلابد لترجيح الاول من دليل. على ان


(1) وذلك لان الاجزاء التى تتصل بالحوض منها تنفصل في الحكم عن المادة لكونها اسفل منها، فيعتبر في عدم انفعالها بملاقاة ماء الحوض اتصالها بمادة كثيرة عالية (منه قدس سره). (2) في الصحيفة 210 السطر 2. (3) في الامر الاول في الصحيفة 207.


[ 213 ]

التحقيق كما سيأتي ان شاء الله تعالى (1) ان شرط الطهارة في المطهر وعدم النجاسة إنما هو قبل التطهير. واما نجاسته حال التطهير فلا دليل على المنع منها. والمحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) بناء على ما يختاره من تخصيص نجاسة القليل بالملاقاة بورود النجاسة على الماء دون العكس صرح هنا بانه يتجه ان يقال: انه لا حاجة إلى كرية المادة بل يكفي جريان الماء الطاهر بقوة بحيث يستهلك الماء فيه، واستند إلى ظواهر جملة من الاخبار ستأتي الاشارة إليها ان شاء الله تعالى. هذا كله مع علو المادة على الحوض. اما مع المساواة كما يتفق في بعض الحياض من جعل موضع الاتصال اسفل الحوض فلا يشترط الزيادة، بل يكفي مجرد الاتصال على أحد القولين أو جريانها إليه بقوة إلى ان يحصل الامتزاج على القول الآخر. (الرابع) لو شك في كرية المادة فظاهر كلام جملة من الاصحاب وبه صرح بعضهم انه يبنى على الاصل وهو عدم البلوغ. واستضعفه بعض محققي متأخري المتأخرين، واستظهر البناء على طهارتها وعدم الحكم بنجاستها بملاقاة النجاسة. واحتج بالروايات الدالة على ان ” كل ماء طاهر حتى يعلم انه قذر ” (2) واستصحاب الطهارة الوارد فيه النص بخصوصه كما ورد في تطهير الثياب. وفيه نظر، لتطرق القدح إلى ما اورده من الادلة. (اما الاول) فلما مضى بيانه في المقالة الرابعة (3).


(1) في رد الوجه الثالث من الوجوه التى استدل بها المحدث الكاشانى على عدم انفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة، وفى المسألة الرابعة من المقام الاول من تتمة باب المياه. (2) المروية في الوسائل في الباب – 1 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة وقد تقدم الكلام فيما يرجع إلى هذا المضمون في التعليقة 1 في الصحيفة 177. (3) في الصحيفة 190 السطر 3.


[ 214 ]

و (اما الثاني) فلان استصحاب الطهارة الذي ورد به النص في الثوب هو ما إذا كان الثوب متيقن الطهارة وشك في عروض النجاسة له، كما تضمنته صحيحة زرارة المضمرة (1) وغيرها، فانه لا يخرج عن يقين الطهارة الا بيقين النجاسة. ووجه الفرق بين هذه وبين ما نحن فيه ظاهر، فان صحيحة زرارة المذكورة وظاهر غيرها ان الغرض المترتب على التمسك بيقين الطهارة في هذه المواضع هو دفع الشك بعروض النجاسة حتى يحصل اليقين بها، فالتمسك بيقين الطهارة إنما هو في مقابلة الشك في عروض النجاسة، وافراد هذه الكليات إنما هي الامور المقطوع بعدم العلم بملاقاة النجاسة لها. فتستصحب طهارتها إلى ان يظهر خلافها. وما نحن فيه ليس كذلك، إذ هو مما تحقق ملاقاة النجاسة له لكن حصل الشك في بلوغه القدر العاصم من النجاسة وعدمه، وليس الشك هنا في ملاقاة النجاسة كما هو مساق تلك الاخبار، ومثل ذلك لو حصل في ثوب دم محكوم بنجاسته شرعا لكن حصل الشك في زيادته على الدرهم وعدمها. فانه ليس للقائل ان يستند إلى هذه الاخبار بان الاصل طهارة الثوب لقوله (عليه السلام): ” كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر ” (2). وبالجملة فالمراد بالشك الذي لا يعارض اليقين هو الشك في عروض النجاسة وملاقاة النجس لا الشك في السبب الموجب للتنجيس.

(المقالة التاسعة) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان ماء المطر في الجملة حال تقاطره كالجاري. ونقل عن ظاهر الشيخ اشتراط


(1) المتقدمة في الصحيفة 139 السطر 3، وقد تقدم الكلام فيها في التعليقة 1 من نفس الصحيفة، وقد اسندها هناك إلى ابى جعفر (عليه السلام). (2) تقدم الكلام فيه في التعليقة 1 في الصحيفة 42 وسيأتى منه (قدس سره) – في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من مسائل البحث الاول من ابحاث احكام النجاسات – التصريح بما ذكرناه هناك.


[ 215 ]

الجريان من ميزاب، واطلاق تشبيهه بالجاري يقتضي عدم انفعاله بملاقاة النجاسة، وتطهيره لما يقع عليه من ماء نجس أو ارض أو ثياب أو ظروف أو نحو ذلك. وتحقيق القول في ذلك يتوقف على النظر في الاخبار الواردة في المقام، فلنورد ما عثرنا عليه منها ثم نردفه بما يكشف عنه نقاب الابهام بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم أفضل الصلاة السلام). فمن الاخبار صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) ” في ميزابين سالا أحدهما بول والآخر ماء المطر فاختلطا فاصاب ثوب رجل. لم يضره ذلك “. ورواية محمد بن مروان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: ” لو ان ميزابين سالا أحدهما ميزاب بول والاخر ميزاب ماء فاختلطا ثم اصابك، ما كان به بأس “. وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: ” سألته عن البيت يبال على ظهره ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة ؟ فقال: إذا جرى فلا بأس به. وسألته عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فاصاب ثوبه. هل يصلي فيه قبل ان يغسله ؟ فقال: لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس “. وصحيحة هشام بن سالم (4) انه: سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب. فقال لا بأس به، ما اصابه من الماء اكثر منه “.


(1) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب – 6 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب – 5 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.


[ 216 ]

ومرسلة الكاهلي عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: ” قلت امر في الطريق فيسيل علي الميزاب في اوقات أعلم ان الناس يتوضؤون ؟ قال: ليس به بأس لا تسأل عنه. قلت: يسيل علي من ماء المطر ارى فيه التغير وارى فيه آثار القذر فتقطر القطرات علي وينتضح علي منه ؟ والبيت يتوضأ على سطحه فيكف على ثيابنا ؟ قال: ما بذا بأس لا تغسله، كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر “. ورواية أبي بصير (2) قال: ” سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكنيف يكون خارجا فتمطر السماء فتقطر علي القطرة ؟ قال: ليس به بأس “. ومرسلة محمد بن اسماعيل عن بعض اصحابنا عن ابي الحسن موس بن جعفر (عليهما السلام) (3) ” في طين المطر انه لا بأس به ان يصيب الثوب ثلاثة أيام الا ان يعلم انه قد نجسه شئ بعد المطر، فان أصابه بعد ثلاثة فاغسله، وان كان الطريق نظيفا فلا تغسله “. وروى في الفقيه (4) مرسلا قال: ” وسئل (عليه السلام) عن طين المطر يصيب الثوب فيه البول والعذرة والدم. فقال طين المطر لا ينجس “. وروى علي بن جعفر في كتاب المسائل والحميري في قرب الاسناد (5) عنه عن اخيه (عليه السلام) قال: ” سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب – 6 – من ابواب الماء المطلق. (3) المروية في الوسائل في الباب – 6 – من ابواب الماء المطلق وفى الباب – 75 – من ابواب النجاسات. (4) في باب ” المياه وطهرها ونجاستها ” ورواه صاحب الوسائل في الباب – 6 – من ابواب الما المطلق من كتاب الطهارة. (5) في الصحيفة 89 من المطبوع بايران، وفى الباب – 6 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة من الوسائل.


[ 217 ]

فيكف فيصيب الثياب، ايصلى فيها قبل ان تغسل ؟ قال: إذا جرى من ماء المطر فلا باس “. وروى في كتاب المسائل ايضا عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: ” سألته عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب، ايصلى فيه قبل ان يغسل ؟ قال: إذا جرى به المطر فلا بأس “. وروى في كتاب الفقه الرضوي (2) قال (عليه السلام): ” إذا بقى ماء المطر في الطرقات ثلاثة أيام، نجس واحتيج إلى غسل الثوب منه. وماء المطر في الصحاري لا ينجس. وروي طين المطر في الصحاري يجوز الصلاة فيه طول الشتاء “. هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمقام. ويدل على اعتبار الجريان منها صحيحة هشام بن الحكم (3) ورواية محمد ابن مروان (4) وصحيحة علي بن جعفر (5) وروايتاه المنقولتان من كتابه (6) ولكن اعتبار الجريان من الميزاب انما وقع في الاولتين، وليس فيهما دلالة على تخصيص الحكم بذلك، فلا تنهضان حجة للمستدل (7) ولعل ذكر الميزاب في كلام الشيخ على جهة التمثيل كما احتمله جمع من المحققين. وانت خبير بان هذه الاخبار لا تصريح فيها بكون ماء المطر كالجاري مطلقا أو مقيدا بحالة مخصوصة إلا من حيث اجوبة المسائل المسؤول عنها فيها. فان بعضها


(1) ورواه صاحب الوسائل في الباب – 6 – من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) في الصحيفة 5 السطر 26 (3) و (4) و (5) المتقدمة في الصحيفة 215. (6) احداهما في الصحيفة 216 والاخرى في هذه الصحيفة. (7) إذ غاية ما يستفاد منهما هو عدم ضرر ذلك ونفى البأس عنه لو اتفق كذلك، وهذا لا يدل على انحصار الحكم فيه والاقتصار عليه كما لا يخفى (منه قدس سره).


[ 218 ]

لا ينطبق على تقدير جعله كالماء القليل المنفعل بالملاقاة على المشهور، وحينئذ فغاية ما يستفاد منها كون ماء المطر قسما ثالثا بين الجاري والراكد، وله أحكام قد يشارك في بعضها الجاري وفي البعض الآخر الراكد، فاما مشاركته للجاري ففي صورة الجريان قطعا والكثرة على الظاهر، كما يدل عليه ما تضمن اشتراط الجريان من الاخبار المتقدمة، وما تضمن اعتبار الكثرة، وهو صحيحة هشام (1)، لجعله (عليه السلام) الجريان في تلك الاخبار والكثرة في الخبر المذكور علة لحصول الطهارة (2) وخصوص


(1) المتقدمة في الصحيفة 215 السطر 17. (2) وما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة – من ان صحة الاستدلال بهذا الخبر مبنية على تعين ارجاع الضمير في قوله (عليه السلام): ” ما اصابه ” إلى السطح. وهو ممنوع بل يمكن ارجاعه إلى الثوب. فكأنه قال (عليه السلام): ” القطرة الواصلة إلى الثوب غالب على البول الذى لاقاه ” ثم قال: ” وايضا ما ذكره من الدليل على تعدية الحكم على تقدير تمامه إنما يصح إذا رجع ضمير (منه) إلى مطلق النجاسة. وليس كذلك، بل الظاهر رجوع الضمير إلى البول، فلا يلزم الانسحاب في كل نجاسة ” انتهى – مدفوع (اولا) – بان ظاهر الرواية قد تضمن السؤال عن ظهر البيت الذى يبال عليه متى اصابه المطر، وعما يقطر منه فيصيب الثوب، والاول منهما هو المقصود بالذات. لان الثاني متفرع عليه كما لا يخفى، فلو جعل ضمير (ما اصابه) راجعا إلى الثوب لزم كون التعليل المذكور مخصوصا بالسؤال الثاني، ولزم عدم الجواب عن السؤال الاول الذى هو المقصود الذاتي، لان مرجع ضمير (اصابه) هو مرجع ضمير (به) في (لا باس به) ومتى جعل مرجع الجميع إلى الثوب لزم خلو السؤال الاول من الجواب. و (ثانيا) – ان البول إنما هو على ظهر البيت لا في الثوب حتى تكون القطرة الواصلة إليه غالبا على البول الذى لاقاه، والرواية إنما تضمنت كون القطرة النازلة من السطح النجس بالبول حال المطر هل تنجس الثوب ام لا ؟ لا ان الثوب فيه بول ووقع عليه من ماء المطر اكثر منه كما توهمه. وهو غفلة عجيب منه. و (ثالثا) – ان ضمير (منه) انما يرجع إلى البول، لكن لما كانت خصوصية البول لا مدخل لها في العلية حكم بالانسحاب إلى أي نجاسة كانت كما اوضحناه في المتن (منه رحمه الله).


[ 219 ]

مورد السؤال لا يصلح لتخصيص الجواب إلا إذا كان لخصوصية السؤال مدخل في العلية وشاهد الحال في المقام دال على عدم المدخلية، ومتى كان التعليل يدل على التعدية إلى كل ما توجد فيه العلة وشاهد الحال يدل على عدم المدخلية، وجب التعدية إلى كل ما توجد فيه العلة. وما قيل في الجواب عن صحيحة علي بن جعفر (1) الدالة على اشتراط الجريان في تطهير البين الذي يبال على ظهره، من انه يمكن أن يكون الاشتراط هنا لنفوذ النجاسة في السطح، وان السؤال لما كان يتضمن الجريان اجاب (عليه السلام) على وفق السؤال، فاشترط الجريان حتى يستولي على النجاسة، فهو لا يدل على نفي البأس إلا في هذه الحالة، فمورد السؤال حينئذ مخصص للجواب. مدفوع (أولا) بان صحيحة هشام بن سالم (2) قد تضمنت هذا السؤال بعينه ووقع الجواب فيها بما يدل على الطهارة مع الكثرة دون الجريان، ومن الظاهر ان الكثرة لا تستلزم الجريان، إلا أن يراد الجريان ولو بالقوة دون ان يكون بالفعل بخصوصه، فوجه الاستلزام ظاهر، ولعله الاظهر. و (ثانيا) بما تضمتنه روايتا علي بن جعفر (3) المنقولتان من كتابه. فانه لا مجال فيهما لتخصيص الجواب، فالظاهر حمل تلك الرواية ايضا عليهما. لكن اصحابنا لاقتصارهم في الاستدلال على ما في الكتب الاربعة لم يتعرضوا لهاتين الروايتين في المقام ولا غيرهما مما خرج عن الكتب المشار إليها، وما عدا الصورة المذكورة فلا دلالة في شئ من تلك الاجوبة المذكورة على كونه كالجاري. واقرب ما يتوهم منه الدلالة على كونه كالجاري وان لم يدخل في تلك الصورة مرسلة الكاهلي (4) لقوله


(1) و (2) المتقدمة في الصحيفة 215. (3) المتقدمتان في الصحيفة 216 و 217. (4) المتقدمة في الصحيفة 216 السطر 1.


[ 220 ]

(عليه السلام): ” كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر ” وتقييد اطلاقها بتلك الاخبار غير بعيد، فتحمل عليها حمل المطلق على المقيد. واما ما دل على النهي عن غسل الثوب والرجل من اصابة ماء المطر الذي قد صب فيه خمر وانه يصلى فيه (1) وكذلك طهارة ما يقطر من ظهر البيت النجس بالبول والكنيف (2) فمع احتمال تقييده ايضا كما هو مصرح بالقيد في بعض تلك الاخبار لا دلالة فيه، لذهاب جملة من الاصحاب إلى عدم انفعال القليل بوقوعه على النجاسة، وتخصيص نجاسته بالملاقاة بورود النجاسة عليه دون العكس. وهو الظاهر من الاخبار كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى (3).

وتنقيح المقام يتوقف على ذكر فروع:

(الاول) لو وقع المطر على ماء نجس بدون التغير بعد زوال عين النجاسة منه، فان وقع عليه بطريق الجريان أو الكثرة فالظاهر انه لا اشكال في تطهيره له. نعم يبقى الكلام في الاكتفاء بمجرد الاتصال أو اعتبار التداخل والامتزاج، فعلى الاول يطهر بمجرد الاتصال، وعلى الثاني يتوقف على الامتزاج. وسيأتي تحقيق القول في ذلك ان شاء الله تعالى (4) وان وقع لا باحد الطريقين المذكورين فالمشهور بين الاصحاب التطهير بناء على حكمهم بكون ماء المطر كالجاري مطلقا. وقد عرفت ما فيه، فانه لا دليل على هذا الاطلاق في الاخبار، وحديث ” كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر ” (5)


(1) وهى صحيحة علي بن جعفر المتقدمة في الصحيفة 215. (2) وهى صحيحة هشام بن سالم المتقدمة في الصحفية 215. وروايتا ابى بصير وعلي بن جعفر المتقدمان في الصحيفة 216. (3) في المقام الثاني من الفصل الثالث. (4) في الموضع الاول من المقام الخامس من الفصل الثالث. (5) المتقدم في الصحيفة 216 السطر 1.


[ 221 ]

قد عرفت ما فيه (1)، ومع عدم تقييده بما ذكرنا فقد اورد ايضا على الاستدلال به ان ماء المطر في الصورة المفروضة لا يمكن ان يرى جميع الماء النجس، لامتناع التداخل، ومع امكانه ايضا فالظاهر ان عند التقاطر كما هو مذهبهم لا يمكن ان يصل إلى جميع اجزاء الماء. ويمكن الجواب بان الرواية لما دلت على طهارة ماء المطر المقتضي لطهارة الموضع الذي يصل إليه، فاللازم طهارة ما عداه، إذ لو لم يطهر للزم عدم طهارة ذلك الموضع بالكلية، أو عود النجاسة إلى ما وصل إليه المطر بالمجاورة، وكلاهما خلاف ظاهر النص. ولقد بالغ بعض المتأخرين (2) فحكم بتطهير القطرة الواحدة من المطر إذا وقعت على الماء النجس، قال في الروض بعد نقله: ” وليس ببعيد ولكن العمل على خلافه ” انتهى. واعترض هذا القول المحقق الشيخ حسن في المعالم بانه غلط. قال: ” لان المقتضي لذلك اما كونه في حكم الجاري أو النظر إلى ظاهر الآية، حيث دلت على كونه مطهرا بقول مطلق، وكلاهما فاسد (اما الاول) فانا وان تنزلنا إلى القول بثبوت احكام الجاري له مطلقا، إلا انك قد علمت ان المقتضي لطهارة الماء بمجرد الاتصال على القول به هو كون الجزء الملاقي للكثير يطهر بملاقاته له، عملا بعموم ما دل على كون الماء مطهرا، وبعد الحكم بطهارته يتصل بالجزء الثاني وهو متقو بالكثير الذي منه طهره فيطهر الجزء الثاني، وهكذا. ولا يذهب عليك ان هذا التوجيه


(1) في الصحيفة 219 السطر 18. (2) هو السيد حسن بن السيد جعفر المعاصر لشيخنا الشهيد الثاني، قال في الروض: وكان بعض من عاصرناه من السادة الفضلاء يكتفى في تطهير الماء النجس بوقوع قطرة واحدة عليه، إلى آخر ما نقلناه في المتن (منه رحمه الله).


[ 222 ]

لا يتوجه هنا، إذ أقصى ما يقال في القطرة الواقعة انها تطهر ما تلاقيه. ولا ريب ان الانقطاع لا ينفك عن ملاقيها، وهي بعده في حكم القليل كما علمت، فليس للجزء الذي طهر بها مقو حينئذ ليستعين به على تطهير ما يليه، بل هو معها حين الانقطاع ماء قليل، فيعود بها إلى الانفعال بملاقاة النجاسة. و (اما الثاني) فقد مر الكلام فيه وبينا انه ليس له عموم ” انتهى. ويرد عليه ان اتصال هذه الاجزاء بعضها ببعض إنما يكون في زمان واحد، لا ان الجزء الاول يتصل بالثاني في زمان ثم الثاني بالثالث في زمان آخر وهكذا، فان باتصال الجزء الاول من النجس بالجاري أو الكثير صدق اتصال الاجزاء كملا بعضها ببعض، فمتى سلم ان ماء المطر ولو قطرة حكمه حكم الجاري مطلقا وانه يطهر الجزء الملاقي له حال وقوعه عليه، فلا ريب في اجراء التقريب المذكور في الجاري فيه حينئذ. وصدق الانقطاع عليه في الآن الثاني غير ضائر، لحصول الطهارة في الآن الاول بالتقريب المذكور.

(الثاني) إذا وقع على ارض متنجسة ونحوها واستوعب موضع النجاسة وازال العين ان كانت فعلى المشهور لا ريب في حصول التطهير به، وعلى اعتبار الجريان فالظاهر انه لا يناط هنا بحصوله، لان الشيخ القائل بذلك صرح كما نقل عنه بالاكتفاء في تطهير الارض بالماء القليل، الا ان مقتضى صحيحة هشام (1) اعتبار كثرة ماء المطر في مثل الصورة المذكورة. وقد عرفت (2) انه لا مدخل لخصوصية السؤال في التعليل المذكور. وبذلك صرح المحقق الشيخ حسن في المعالم، قال: ” ولابد من كون الماء الواقع اكثر من النجاسة، لجعله في الحديث علة لحصول الطهارة. وكون مورد السؤال


(1) المتقدمة في الصحيفة 215 السطر 17. (2) في الصحيفة 218 السطر 6.


[ 223 ]

فيه السطح لا يقتضي اختصاص الحكم به، لان التعليل يدل على التعدية إلى كل ما توجد فيه العلة، إذ الحال شهادة بعدم مدخلية الخصوصية فيها، وقد بينا وجوب التعدية حينئذ ” انتهى. واعترضه في الذخيرة بان حصة الاستدلال بهذا الخبر على ما ذكره مبنية على تعين ارجاع الضمير في قوله (عليه السلام): ” ما اصابه ” إلى السطح. وهو ممنوع، بل يمكن ارجاعه إلى الثوب، فكأنه (عليه السلام) قال: ” القطرة الواصلة إلى الثوب غالب على البول الذي لاقاه ” وايضا ما ذكره من الدليل على تعدية الحكم على تقدير تمامه إنما يصح إذا رجع ضمير (منه) إلى مطلق النجاسة. وليس كذلك، بل الظاهر رجوع الضمير إلى البول، فلا يلزم الانسحاب في كل نجاسة. انتهى. ولا يخفى ما في كلامه (قدس سره) من التكلف التام والبعد عن ظاهر الكلام كما لا يخفى على ذوي الافهام. (اما اولا) فلان المقصود بالذات من السؤال هو ظهر البيت وتطهير المطر له، والسؤال عما يقطر على الثوب إنما هو فرع على الاول، فالانسب كون الجواب وما علل به راجعا إلى الاول. و (اما ثانيا) فلانه على تقدير رجوع الضمير إلى الثوب فالتقريب الذي ذكره ذلك المحقق حاصل به، بكون المعنى حينئذ ما اصاب الثوب من ماء المطر الملاقي للبول اكثر من البول، بمعنى ان المتقاطر على الثوب مجمتع من الماء والبول ولكن الماء اكثر، فبسبب الكثرة صار قاهرا للبول وغالبا عليه. ومنه يظهر ان مناط التطهير هو الكثرة الموجبة للقهر والغلبة. و (اما ثالثا) فلان ما ذكره من ان تعدية الحكم مع رجوع ضمير (منه) إلى النجاسة دون البول ومعه لا يصح ففيه ان ضمير (منه) إنما يرجع في الخبر إلى البول


[ 224 ]

لكن لما كان خصوصية البول لا مدخل له في العلية حكم بالانسحاب إلى اي نجاسة كانت كما ذكره المحقق المذكور وقد قدمنا التنبيه عليه (1). وربما استدل على حصول التطهير في الفرع المذكور بمرسلة الكاهلي (2) لقوله. (عليه السلام): ” كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر ” وفيه ما عرفت آنفا (3) وبمرسلة محمد بن اسماعيل (4) الواردة في طين المطر، لتصريحها بنفي البأس عن اصابته الثوب ثلاثة أيام إلا ان يعلم انه قد نجسه شئ بعد المطر، وهو دال على حصر البأس فيما إذا نجسه شئ بعد المطر، فما عداه لا بأس به، وهو شامل لما إذا كانت الارض نجسة قبل المطر. فيستفاد منه تطهير المطر الارض حينئذ. وفي الدلالة تأمل.

(الثالث) الظاهر انه لا خلاف في ان ما يبقى من ماء المطر بعد انقطاع المطر حكمه حكم القليل وان كان جاريا. وحكمه مع اختلاف سطوح واستوائها كحكمه كما سيأتي ان شاء الله تعالى (5).

(الرابع) هل يتقوى الماء الطاهر القليل بماء المطر حال تقاطره ويعصمه من الانفعال بالملاقاة ؟ لا ريب في ذلك على المشهور من جعل ماء المطر كالجاري مطلقا واما على اعتبار الجريان أو الكثرة فيناط بحصول احدهما. ورجح بعض متأخري المتأخرين التقوي مع عدم الجريان والكثرة لا من حيث ان ماء المطر كالجاري مطلقا بل من حيث عدم العموم في ادلة انفعال القليل بالملاقاة على وجه يشمل الفرع المذكور.

(الخامس) صرح العلامة (قدس سره) في جملة من كتبه بان ماء المطر كالجاري،


(1) في الصحيفة 218 السطر 6. (2) المتقدمة في الصحيفة 216 السطر 1. (3) في الصحيفة 219 السطر 18. (4) المتقدمة في الصحيفة 216. (5) في المسألة الثانية من الفصل الثاني.


[ 225 ]

مع انه شرط في الجاري الكرية، فليزمه اشتراطها هنا ايضا. واعتذر عنه بأن مراده انه كالجاري إذا كان كرا. واورد عليه ان سؤال الفرق متجه، فلم اشترط الكرية في الجاري دونه. واجيب بان الفرق ظاهر، فان ادلة انفعال القليل بالملاقاة لا معارض لها على وجه يصلح للمعارضة من اخبار الجاري بخلاف اخبار ماء المطر، فانها صريحة في المعارضة، وهي اخص من تلك الاخبار، فوجب تقييدها بها، ومن ثم اشترطت الكرية ثمة دون ما نحن فيه. وبعض محققي متأخري المتأخرين صرح بان الظاهر من كلام العلامة (رحمه الله) اشتراط الكرية في ماء المطر. ولم نقف على ما يقتضي ذلك في كلامه، بل صريح كلامه في التذكرة يقتضي عدم الاشتراط، حيث قال: ” لو انقطع تقاطر المطر وفيه نجاسة عينية اعتبرت الكرية، ولا تعتبر حال التقاطر، ولو استحالت عنيها قبل انقطاعه ثم انقطع كان طاهرا وان قصر عن كر ” انتهى.

(السادس) استشكل بعض فضلاء متأخري المتأخرين في روايتي الميزابين (1) بان ميزاب البول ان سلم عدم تغييره ميزاب الماء فلا أقل من عدم استهلاكه بميزاب الماء، فكيف يحكم بطهارة الماء المختلط منهما ؟ ثم احتمل حمل الاختلاط على ترشح ميزاب البول إلى ميزاب الماء، فإذا اصاب الثوب لم يكن به بأس، إذ الماء لم ينجس بذلك، والترشيح من البول لم يعلم اصابته. وايضا قد استهلك في الماء الطاهر فصار طاهرا. ثم استبعده واحتمل القول بان البول يطهر باختلاط ماء المطر وان لم يستهلك، ثم قال: ” وفيه ايضا اشكال ” ثم احتمل ايضا رد الروايتين لعدم صحة سندهما. أقول: لا يخفى ان ما ذكره من الاشكال وان كان في بادئ النظر ظاهر


(1) وهما صحيحة هشام بن الحكم ورواية محمد بن مروان المتقدمان في الصحيفة 215.


[ 226 ]

الاحتمال إلا انه بالتأمل في قرائن الاحوال التي كثيرا ما يبتنى عليها الاستدلال لا تطرق له في هذا المجال، فان الظاهر من سيلان ماء المطر من الميزاب كون ذلك عن قوة وكثرة، ومن سيلان البول الذي هو غالبا إنما يقع ببول شخص كون ذلك قليلا مستهلكا في ماء المطر مع اختلاطه به، والحمل على بول يقاوم المطر في القوة والكثرة أو يكون اقل منه على وجه لا يستهلكه المطر نادر بل مجرد فرض غير واقع. والاحكام الشرعية إنما تبنى على ما هو المتكرر المتعارف دون الفروض الشاذة النادرة.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: